الأرشيف

المخدرات وحرب الأفيون الصينية

[جريدة القبس 8/3/1999]

مع دخول حقبة التسعينيات من هذا القرن أصبحت المخدرات في الكويت ظاهرة مخيفة ومقلقة تتحدى كل شاب وكل أسرة وكل مدرسة، بل وكل محاولة لبناء فرد سليم وصحيح ومنتج.
وعلى الرغم من أن المخدرات ليست أمراً جديداً على المجتمع الكويتي، غير أن تزايدها مؤخراً بهذه النسب المخيفة، يؤكد على أن هنالك أموراً قد طرأت في الفترة الأخيرة على المجتمع الكويتي ساهمت في ذلك الارتفاع الملحوظ في نسبة المدمنين والمتعاطين.
ظاهرة المخدرات ظاهرة عالمية لا تقتصر على المجتمع الكويتي والفشل في معالجتها، أو العجز عن احتوائها، هو فشل عالمي، وعجز تعلن عنه كل دول العالم غير أن ذلك لا يمنع على الإطلاق من استمرار المحاولات الجادة للتعامل معها.
أهم أسباب الفشل في معالجة مشكلة المخدرات تعود إلى درجة النفوذ والقوة التي يتمتع بها تجار المخدرات، وكبار الممولين في العالم، والذين أصبحوا يملكون سلطة ونفوذاً فوق رقع جغرافية وكيانات سياسية كاملة، لذا فقد جاءت محاولات بعض الدول في معالجة هذه المشكلة، من خلال الخروج إلى مناطق نفوذ أولئك الممولين، وكما حدث في الولايات المتحدة التي لم تتوانَ عن افتعال أزمات سياسية مع بعض دول أمريكا اللاتينية، حتى تتمكن من الهجوم على مناطق إنتاج المخدرات فيها، أو إغلاق الحدود معها، ولا نقول إن الولايات المتحدة قد نجحت بذلك في السيطرة على مشكلة المخدرات فيها، غير أنها تبقى محاولات قد تسيطر على المشكلة نسبياً وتحد من درجة تزايدها.
من الطبيعي أن تتضاعف المشاكل النفسية للأفراد، وأن تزداد المخدرات ومشاكل الإدمان بشكل عام، والمشاكل الاجتماعية كالطلاق، في أعقاب الأزمات الاقتصادية أو السياسية، كالحروب مثلاً أو النكوص الاقتصادي والمالي، فحرب فيتنام، مثلاً، ضاعفت من حالات التأزم النفسي للشباب الأمريكي وأشعلت حمى الإدمان في أمريكا، تماماً كما فعلت في أوروبا تبعات وتداعيات الحرب العالمية الثانية، مما يجعل من ارتفاع إدمان المخدرات في أعقاب غزو النظام العراقي للوطن أمراً متفقاً جداً مع طبيعة المتغيرات التي تسببها الحروب.
لقد صدرت دراسات كثيرة حول قضية تعاطي المخدرات بشكل عام تبحث في أسبابها النفسية، والعضوية، والاجتماعية، بل لقد حاولت بعض تلك الدراسات البحث في أسباب بيولوجية، أو جينية وراثية تسبب حالة الإدمان، وكلها دراسات تندرج تحت الجهود والمحاولات الدائمة للوقوف على أسباب ودوافع ومسببات الإدمان، على أمل التوصل إلى مشروع عالمي موحد للحد من ظاهرة الإدمان المدمرة، فمن غير المعقول أن يلجأ الإنسان إلى وسائل تعزله عن عالمه الخارجي، وتدخله في غيبوبة طوعية ومؤقتة، ما لم تكن هناك دوافع وأسباب لها سلطة أقوى بكثير من سلطة العقل والمنطق.
وعلى الرغم من آثار المخدرات المدمرة على الفرد والمجتمع، إلا أننا لا نزال في هذا الوطن نتعامل مع ضحاياها دون أن نطال مجرميها، فالأخبار اليومية تطالعنا بصور وأنباء عن شباب قضوا تحت تأثير تلك الآفة، وأسر دمرها شبح المخدرات، غير أننا لم نسمع أبداً عن تجارها وأباطرتها، ولم يطرق سمعنا قط خبر القبض على مروجيها السمان المتخمين، اللهم إلا بعض الموزعين الذين لا يقلون بؤساً عن ضحاياهم من المتعاطين والمدمنين.
إن المتابع منا لأخبار عمليات تهريب الهيرويين، والتي أصبحت على أشدها مؤخراً، لن يستطيع أن يطرد الشكوك التي أصبحت تراوده حول مؤامرة تستهدف إغراق الوطن بأشرس أنواع المخدرات، وأكثرها فتكاً وتدميراً، مما يجعلنا نصر، كمجتمع وأسر وأفراد، على ضرورة اليقظة والتشدد في مواجهة تلك المشكلة من خلال قوانين رادعة وصارمة، فالحد من تفاقم هذه الظاهرة ليس مستحيلاً، كما يتصور البعض، ويكفي أن نذكر هنا الصين، كمثال حي على ذلك، حين استطاعت صرامة وجدية القوانين أن تنتشل الصين من مستنقع الأفيون، وأن تعيد للمواطن فيها وعيه وإدراكه وعقله في واحدة من أشرس حروب المخدرات في هذا العصر، فهل نستوحي من حرب الأفيون الصينية درساً في كيفية التعامل مع المخدرات؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى