شئون خليجية

المخاض القادم من الخليج!!

جريدة الطليعة 1999/1/6

في تعليق لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق “هنري كيسنجر” حول الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، قال يومها إن المنطقة تعبر بمخاض سياسي واقتصادي واجتماعي يجعل من الصعب تحديد ملامح المستقبل بصورة سهلة، أو حتى الخروج بتكهنات دقيقة وثابتة!!

وإذا كانت السياسة بشكل عام هي لعبة التغيرات والتحولات، فإنها لا تخلو من ثوابت تبقى صالحة لكل زمان ومكان وتاريخ!! فالديمقراطية وحرية العمل السياسي والتفكير الحر، وتداول السلطة بصورة منظمة وشرعية، كلها تأتي كثوابت نحو أي مشروع لبناء مجتمع سياسي آمن ومستقر وثابت! لذا فإن أقصر الطرق وأضمنها نحو الخروج من المخاض الذي تنبأ به “كيسنجر” بقدر معقول من الاستقرار والأمان، هو في الإصرار على الديمقراطية كنهج وأسلوب في التعامل، والتشبث بها كطريق سالك نحو بناء مجتمع ودولة لا يسقطهما المخاض القادم!! لقد كشف غزو النظام العراقي للوطن، ثم الهبوط، الحاد في أسعار النفط، عن طبيعة البنية السياسية لدول الخليج بشكل خاص، وإذا كان الغزو قد أثار قضية العجز الدفاعي الخليجي، وفساد وتردي المؤسسات العسكرية في دول الخليج، فإن هبوط أسعار النفط يثير مسألة الخلل في البنية السياسية الخليجية، وفي المشاريع التنموية، والخطط المستقبلية!!

دول الخليج وبلا استثناء أصبحت تتحدث اليوم وتعلن لمواطنيها عن عجز في الموازنات مخيف وخطير، وهو عجز يحمل تكهنات مستقبلية مظلمة ويائسة، ليس بسبب انخفاض دخل المواطن وحسب ولا بسبب الضرائب والرسوم التي سترهق كاهله فقط، وإنما لأن أساس الدولة والمجتمع قد قام على تلك الثروة، بصورة غبية لم تعمل على تنمية الفرد وتدريبه وإعداده، وإنما عملت على تخديره بأموال ورفاهية لا تحمل أية ضمانات مستقبلية، يستطيع في ضوئها أن يستمر محتفظاً بذلك المستوى المعيشي والاستهلاكي المفتوح!! مما جعل دول الخليج تبدو كالمورث الغني الذي أسرف على أبنائه وأغرقهم بالأموال من دون أن يضمن لهم في البنوك أصولاً ثابتة يعتمدون عليها بعد غياب صاحب الثروة!! والديمقراطية تأتي بمثابة الأصول الثابتة تلك والتي تؤمن للمجتمع استقراراً فعلياً وآمناً حقيقياً لا زيف فيه، ولا تصنع!! ولعلَّ ذلك ما يجعلنا في الكويت مدركين لأهمية الديمقراطية والعمل النيابي الانتخابي الحر، حتى مع كل مساوئ المجلس والقصور في الأداء الذي نشاهده ونلمسه في عمل المجلس والأعضاء المنتخبين!!

لعلَّ من المفارقات الغريبة فيما يراه البعض من طبيعة مصادر الخطر المرتقب في منطقة الخليج أن احتمال قدومه من دول الخليج يأتي كاحتمال مضاعف وأقوى من أن يكون قادماً من العراق!! فعلى الرغم من كل مظاهر التدهور التي تعصف بالمجتمع السياسي والاجتماعي في العراق، إلا أنه يحمل ملامح سياسية واضحة، بالإمكان تشييد بناء جديد على أساسها، بينما لا تتعدى البنية السياسية لدول الخليج عن كونها نظاماً قبلياً بحتاً، يحتفظ معه شيخ القبيلة بالحق في توزيع الثروة، أو الهبة، ويسيطر من خلاله أقطاب القبيلة على المراكز الاجتماعية والفرص الاقتصادية، والأنشطة السياسية!! وكلها (حقوق) اكتسبها هؤلاء من خلال تسخير الأموال والعوائد النفطية في تحقيق أكبر قدر من القبول الاجتماعي والسياسي!!

هنالك جملة من التناقضات والمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ترقد كامنة في البناء الخليجي لم يتم حسمها بصورة جيدة وناضجة إبان عنفوان الثروة والرفاه النفطي بل على العكس من ذلك تماماً، فقد أدى الإسراف في توزيع الثروة بصورة أشبه ما تكون بالرشوة الجماعية والمجتمعية إلى الإبقاء على تلك المشاكل كامنة، ومقايضتها بأموال ومزايا استهلاكية ورفاه مصطنع وقصير المدى والمدة.. أما الآن وقد شحت تلك الأموال، أو هي في طريقها نحو ذلك، تعود مشاكل شعوب المنطقة وأزماتها للتحرك من سباتها، والتململ في جوف تلك التراكمات بصورة مخيفة ومحزنة!!

لقد أصبحت مسألة إعادة النظر في البناء السياسي الخليجي واعتماد الديمقراطيةكأساس له، تشكل المخرج الوحيد أمام دول الخليج في سبيل التحكم في تشنجات وتقلصات المخاض المقبل، كما أصبح على الأنظمة الخليجية الاعتراف بأهمية وضرورة المشاركة السياسية كصمام أمان يحمي دولهم ومجتمعاتهم من الانهيارات السياسية والاقتصادية، التي رأينا كيف عصفت بدول عظمى ففككتها وأفقرتها، وكما هو الحال في الاتحاد السوفيتي!!

كم نتمنى لو كنا أكثر تفاؤلاً في قراءة المستقبل الخليجي، وكم نرجو أن نكون مبالغين في تشاؤمنا تجاه الغد الخليجي!! لكن كل ما حولنا لا يبشر إلا بلغة التشاؤم والخوف، من أن ينتهي عسر المخاض بولادة لجنين لا يحمل شيئاً من ملامح أبويه!!

جريدة الطليعة 1999/1/6

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى