
تهدف الديمقراطية في أجلَّ صورها.. وبأقصى حد ممكن.. إلى تحقيق عائد اجتماعي واقتصادي وسياسي وفكري.. لأكبر قطاع في المجتمع.. وبحيث يصبح المردود – أياً كان هو – شاملاً في أثره لقطاعات كبيرة في المجتمع.. وعلى الرغم من أن بعض السياسيين.. قد أصبحوا يرون أن العالم بأكمله.. يمر الآن بثورة ديمقراطية تسري في أرجائه.. إلا أن ذلك لا يعني أن الديمقراطية كالعدوة تسري في بلد بعد الآخر.. فديمقراطية بلد ما.. لا يمكن أن تنتقل إلى بلد آخر مجاور.. دون أن تتوفر الشروط والظروف الضرورية لعملية التحول الديمقراطي في ذلك البلد الآخر.
لقد تزايد الحديث مؤخراً في هذا الوطن.. عن دور مجلس الأمة وعن حقيقة الأولويات التي يطرحها المجلس في جلساته.. وعن نصيب المواطن العادي.. من كل ما يطرح من قضايا في أروقة المجلس.. وبحيث بدأ مسلسل التراشق بالتهم بين الحكومة والمجلس.. كل يتهم الآخر بتعطيل وعرقلة مهامه.. فالحكومة تتهم المجلس بعجزه عن البت في قضايا معلقة كالمديونيات.. والأمن.. ومأزق الاستثمارات.. ليرد المجلس من جانبه متهماً الحكومة بتعمد السلبية الكاملة تجاه مثل هذه القضايا إلى درجة غيابها تماماً عن ساحتها.. تاركة الصراع على مثل تلك القضايا يلتهم كل جداول الأعمال التي تنتظر البت.
تتعرض مسألة الديمقراطية بوجه عام في هذا الوطن للكثير من النقاش والبحث.. ويتعرض واقع الديمقراطية في الوطن للكثير أيضاً من الجدال.. وبحيث لا تخلو أية ديباجة في أي حديث عن الديمقراطية.. من التذكير والتأكيد على تأصل الممارسة الديمقراطية في الوطن.. وإيمان المواطن بضرورتها.. بل والالتزام بها من قبل كل الحكومات المتعاقبة على الوطن.. وهذا يبرز تساؤل حول حقيقة ذلك التأصل والتجذر للديمقراطية. فمسألة كوننا شعباً جبل على الديمقراطية.. والشورى.. والتشاور ومارسها منذ بداية عهده بالدولة.. هي مسألة بحاجة إلى التدقيق وإعادة النظر. فالحقيقة أن هذا الوطن الصغير.. والذي عاش على رزق البحر طويلاً. لم يكن في تكوينه يوماً ما.. بلداً ديمقراطياً.. والديمقراطية بمعنى العدالة التوزيعية المرتبطة بالمساواة. لم تكن يوماً ما سمة من سمات هذا الوطن.. وإنما هو مجتمع عاش دوماً في صراع طبقي حاد.. يتناقض تماماً مع أي تكوين ديمقراطي عادل.. فكبير البحر أو “النوخذة”.. و”الطواش” تاجر اللؤلؤ. كانا في قمة الهرم الطبقي آنذاك.. وكان المواطن الأجير أو “البحار” يشكل الطبقة المُسَخرة.. والتي تسعى جاهدة للحصول على قوت يومها.. سواء بصيد اللؤلؤ في الصيف.. أو بالخدمة على سفن السفر والتجارة في الشتاء.. وبحيث كان البحار يتسلم أجرته مقدماً.. لتدخل تحت بند “السلف”.. الواجب تسديده للنوخذة.. بعد العودة من موسم السفر والغوص.. وبطبيعة الحال.. فإن من يتحكم بالاقتصاد والمال.. يتحكم بسائر شؤون الحياة.. لذلك فإن الرأي والقرار في ذلك الحين.. لم يكن أبداً.. للمواطن الأجير فيه نصيب.. وإنما هو بيد الطبقة الغنية.. والتشاور هو قصر على تلك الطبقة الغنية من “النوخذة”.. و”الطواويش” و”كبار الأغنياء” دون غيرهم.. وقد لا نجد عناء يذكر.. في التأكيد على ذلك الواقع.. فما زال يقطن بيننا الكثير من المخضرمين الذين عايشوا تلك الحقبة من تاريخ الوطن.. والذين تمتلىء أحاديثهم بروايات عن بطش “النوخذة”.. ونفوذه.. وعن الظروف المعيشية القاسية التي كانت طبقة “البحارة” تعيشها. بل وحتى مع تبديل مصدر الدخل.. وبدء مرحلة النفط.. فقد استطاعت تلك الفئة الغنية الاستمرار بالسيطرة.. وذلك من خلال احتكارها لأغلب نشاطات الوطن الاقتصادية.. واستحواذها على أغلب الوكالات التجارية.. التي أتت بها مرحلة النفط.
إن أي متتبع لمسار الديمقراطية في هذا الوطن.. سيجد أنها كانت دوماً قضية تنسيق ومصالحة بين الطبقة الغنية أو العليا في المجتمع.. وبين السلطة.. أي أنها كانت مسألة مساومة وتراض على غرار نظرية “العقد الاجتماعي”.. وحيث لم يكن للمواطن العادي موقع فيها.
نحن الآن أمام أزمة ديمقراطية يواجهها الوطن.. ولا نعني بالديمقراطية هنا.. وجود برلمان وانتخابات.. وإنما نعني الآلية، والأسلوب الذي تحقق الديمقراطية من خلاله أغراضها ومغزاها.. فالقضية هنا لم تعد قضية وجود جماعات متصارعة ومتنافسة.. ولا هي بقضية وجود معارضة تنتقد وتعارض.. وحكومة تتلقى النقد بروح رياضية.. وحسب.. وإنما هي قضية تسخير ذلك الصراع.. والخروج بفائدة للمجتمع بأكمله من ذلك التنافس.. فالديمقراطية ليست حقاً في النقد فقط.. بل هي حق في تصحيح الأوضاع المطروحة للنقد.
لعلَّ من أخطر العقبات التي تواجه الديمقراطية في أي مكان كان.. هي في ضعف أو غياب الالتزام بالقيم الديمقراطية.. وقد لمسنا ذلك واضحاً من خلال أطروحات الأعضاء ذوي التوجه الديني.. والتي تعمد إلى تقويض المفهوم الأساسي للديمقراطية.
بل وحتى المجموعات المعارضة والليبرالية.. قد ساهمت إلى حد ما في تقليص المهام الإصلاحية المنوطة بها.. كجماعة ممثلة لشريحة من المجتمع، وبحيث أصبحت مشاكل وقضايا الصفوة والنخبة من المجتمع هي المتصدرة.. وأصبحت قضايا عامة وشاملة.. كالأمن والتعليم والتطبيب.. قضايا ثانوية لا تشملها أولويات المجلس.
إن المواطن الذي جاهد بوقته.. وجهده.. لإيصال نائبه إلى مقعد البرلمان.. قد تلاشى دوره تماماً الآن.. وبعد أن استتب الأمر لطالب المنصب واللقب. والوطن الذي خرج لتوه من كارثة عصفت بكل جوانب الحياة فيه استطاع المجلس أن يختزل كل معاناته ومشاكله في قضايا لا تهم إلا الصفوة والنخبة من المجتمع.. وأصبحت المشاحنات في المجلس بين السلطتين تماماً مثل قضايا الثأر.. الحكومة ترفض التعاون في قضية المديونيات.. وسرقات الاستثمار والمال العام.. والمجلس يرفض التنازل عن محاكمات الغزو.. ومحاسبة المقصرين.. التكتل الديني يطالب بقانون يحمي النقاب.. والوطنيون الليبراليون يرون فيه تخلفاً ورجعية. بينما تنخر في الوطن مشاكل صحية متفاقمة.. فاحت رائحتها من خلال تزايد أعداد المستشفيات والعيادات الخاصة.. ومشاكل تعليمية.. تتفاوت بين مستويات تعليمية متردية.. وإدارات متهالكة. والمجلس المنتخب من كافة قطاعات الوطن.. يتحول إلى لجنة لمناقشة مأزق المديونيات.. الصعبة منها.. والسهلة.
