غير مصنف

المبادرة وردود الأفعال

[جريدة القبس 20/7/2024]

شهدت الكويت في الآونة الأخيرة إجراءات عدة تتعلّق بمناحٍ سياسية ووظيفية مختلفة، مثل قرار وقف جوازات فئة المادة 17، فيما عدا تلك المرتبطة بدواعي العلاج أو السفر، وقرار بصمة الوجه لموظفي الدولة، وقرار فتح ملف العناوين الوهمية، ومن قبلها قرارات تعلّقت بملاحقة المزورين على كل الأصعدة، وغير ذلك.
“تصحيح” أوضاع خاطئة هو في كل الأحوال مسألة حميدة ومُستَحَقّة في أحيان كثيرة، لكن، وكالعادة، يتم غالباً إلقاء اللوم على طرف في معادلة تصحيح الخطأ هذه، وإعفاء طرف، بمعنى آخر أن تزوير الجنسية، على سبيل المثال، تم التعامل معه بمعاقبة طرف واحد دون الآخر، على الرغم من إدراك الكل أن أي عملية تزوير تشترط طرفين: مزوِّر ومُتلَقٍّ أو مستفيد من عملية التزوير هذه، سواء كان ذلك على مستوى الجنسية، أو في حالة تزوير الشهادات الجامعية بكل درجاتها، وما ينطبق على حالة الجنسية ينطبق كذلك على كل الملفات، التي تسعى الحكومة اليوم إلى ترميمها.
مشكلتنا كانت دائماً في طريقة التعاطي مع قضايا خاطئة متراكمة، فنحن غالباً ما نعالجها بأسلوب ردة الفعل فقط في لحظة انفجار المشكلة، ولعلنا جميعاً نتذكّر كيف كشفت أزمة كورونا عن قضية العمالة السائبة والمُخالِفَة، وكيف بدأنا معها في التفكير في طرق لمعالجة مثل هذه القضية، التي طالما تحدّث فيها وكتب حولها الكثير، وحذّر منها خبراء واقتصاديون، تماماً كما تناول الناس من قبل مسألة الشهادات العليا من جامعات غير موثوقة، وأيضاً تجاوزات السكن والمساحات الزراعية والتراخيص الصناعية، وغير ذلك الكثير مما كان يدور في أحاديث العامة وفي الصحافة ووسائل التواصل.
في أي عمل، سياسياً كان أم اقتصادياً، أو في أي شأن من شؤون الحياة، وبما في ذلك الشأن الخاص، تأتي المبادرة لتحتل صدارة الإصلاحات الذكية والمُستَدامَة، والمبادرة هنا كمفهوم تطوّر في السنوات الأخيرة، وبفعل العقلية الإدارية الحديثة، ليصبح تعريفه في كل قواميس الاقتصاد واللغة كالتالي: “المبادرة هي فكرة وخطة عمل تُطرَح لمعالجة قضايا المجتمع، وتتحول فيما بعد إلى مشاريع تنموية قصيرة المدى وبعيدة المدى، وتصدر عادة عن المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والجمعيات الخيرية والتطوعية، وتأخذ طريقاً فرعياً عن الأهداف الرئيسة للمؤسسة أو الجمعية، فتحقق أهدافها الفرعية بشكل مستقل” (انتهى).
المبادرة، في أي مجال كان، تتجاوز إذاً عملية ردود الفعل، وذلك بكونها أوسع وأشمل، فهي عملية استباقية، وبالتالي فهي مُجدية سياسياً واقتصادياً، لكنها – أي المبادرة – تشترط عقولاً تُحسِن الاختيار بين بدائل متعددة ومختلفة.
ما سبق ليس تنظيراً، وإنما إسقاط مباشر على أغلب المشاكل والأزمات، التي تعاني منها الكويت اليوم، فالبنية التحتية، بما في ذلك الشوارع ومحطات الكهرباء والرؤية التربوية والتعليمية والإسكانية، كانت مُتكامِلة، حين جاءت مبادرة التخطيط في بداية الخمسينيات لتسبق أي مفاجأة أو طارئ، وقد جنت كويت الحقب السابقة ثمار مثل تلك المبادرات، بينما تعجز المؤسسات المعنية اليوم عن مواجهة الأزمات الناجمة عن النمو الطبيعي في كل هذه المرافق، بسبب غياب الرؤية الحكومية والمبادرة، في مقابل التعامل وفقاً لردود أفعال آنية، وغالباً ما تؤدي إلى تفاقم الأوضاع وضبابية المستقبل.
ما ينطبق على الشوارع والمؤسسات التعليمية والصحية والإسكانية، ينطبق كذلك على قوانين أخرى، كقانون الجنسية وأدوات الرقابة والمحاسبة، فالكل كان يدرك، بل ويحذّر من خطر استمرار قضية غير محددي الجنسية مفتوحة، وبلا أفق أو مبادرة قاطعة لحسم مثل هذا الوضع، الذي صار عبئاً اجتماعياً وأمنياً وسياسياً، حتى كَبُرَت المشكلة وخرجت إجراءات ردود الفعل لمواجهتها، وبشكل يفتقد العدالة مع بعض الحالات.
تقطع المبادرة عادة الطريق على الإجراءات أو الالتزامات المؤقتة، التي عادة ما تسبّبها ردود الأفعال لدى أي فشل في أي مرفق أو جهة، فالمبادرة في التعامل مع أي أزمة أو في أي مرفق هي أشبه بخطة قائد الجيش، الذي يسبق جيش العدو إلى خطة حربية محصّنة تُمكّنه من الانتصار عليه.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى