
أحبط المؤتمر الوطني للتعليم الذي انعقد في السابع عشر من فبراير لهذا العام الحضور والمتابعين والتربويين والمواطنين جميعاً!
بداية، نشير إلى أن المؤتمر، وعلى الرغم من انعقاده في أفخم الفنادق المزودة بجميع الاستعدادات، افتقر إلى أبسط الأمور التنظيمية! ففوضى توزيع المقاعد كانت هي المدخل، وحيث اصطف عدد من الناظرات والمدرسات وقوفاً من دون أن توفر لهن المقاعد رغم وجود لجنة منظمة للمؤتمر باشرت عملها منذ عدة أشهر، مما يعني أن اللجنة قد أخفقت حتى في التأكد من عدد الحضور، وبالتالي في توفير العدد المطلوب من المقاعد!
أما ورش العمل التي انعقدت على هامش المؤتمر، فقد كانت شكلية في التنظيم وفي جوهر القضايا المطروحة، بمعنى أنها كانت مجرد تحصيل حاصل، وتكراراً لطروحات وخطب رنانة، ومقترحات بعيدة كل البعد عن واقع التعليم الفعلي في الكويت!
المؤتمر شأنه شأن غيره من المؤتمرات خرج بتوصيات مكررة كالعادة، سبق أن طرحها الفصل الأول من هذا المؤتمر الذي عقد سابقاً!
فالتذمر من الضغوط السياسية عاد وكالعادة ليشكل محوراً أساسياً من محاور محاولة النهوض بالتعليم، بالإضافة إلى المحاور الأخرى التي أصبحت “كليشيهات” حفظها الناس عن ظهر قلب، منها أن الإنسان الكويتي ثروة علينا إعداده للمستقبل، وأن المطلوب هو الانتقال من التعليم التقليدي إلى التفكير والإبداع والتفاعل، وأيضاً الدعوة إلى استراتيجية تعليمية تكرس حب الوطن والولاء وقبول الآخر، وتحديث المناهج والمعلوماتية، وغير ذلك من حماس!
كنت أود وأنا أتابع المؤتمر لو أن أحداً من الحضور أشار إلى مصير توصيات المؤتمر الأول والتي حملت العناوين الرئيسية نفسها! لماذا لم تناقش، أو على الأقل تمت مناقشة المعوقات التي حالت دون تطبيقها؟! خصوصاً أن فعاليات التعليم كلها كانت متواجدة في كلا المؤتمرين! كنت أتمنى لو أن أحداً من الحضور أثار سؤالاً حول الأدوار المنوطة بتلك الفعاليات لتنفيذ أي من التوصيات السابقة والحالية، أو أن تساؤلاً مباشراً حول السبب الحقيقي لهذا المؤتمر بخلاف الطروحات الشكلية المعتادة!
التعليم يا سادة معطل لأننا لا نزال وعلى الرغم من مرور كل هذه السنوات نجترّ الجانب النظري منه، من دون أن نباشر التطبيق لما يطرح من تنظير! والمناهج مسيسة بشكل أفقدها أبسط معالم العلم والمعرفة، أو حتى في الأنشطة الخارجية! والمشكلة أن الجميع يتحدث عن ضرورة إعطاء المدرس قسطاً من حرية الحركة والتصرف ليكتسب المهارات المطلوبة لكي لا تبقى عملية إصلاح التعليم في الجانب المعرفي والمهاري فقط، لكن لا يجرؤ أحد على أن يتجاوز حاجز الطرح والتنظير فقط!
ينطبق على واقع التعليم اليوم القول الشائع “علمني مهنة، ولا تطعمني”، فالتلقين والترديد هما السائدان الآن في مناهج التدريس وطرقه بدلاً من تنمية المهارات، وتدريس استراتيجيات باستطاعة الطالب استخدامها في شتى المجالات! فبدلاً من أن يُصر المنهج المدرسي على أن يحفظ الطالب قصيدة من عشرين بيتاً، عليه أن يتعلم أولاً مهارة التذوق الشعري لكي يقدم على الحفظ، وبدلاً من أن يطلب منه أن يكتب ورقة تعبير حول موضوع ما، عليه أولاً أن يتعلم استراتيجية الكتابة ليطبقها في ما بعد على ما شاء من مواضيع! إصلاح التعليم لا يمكن أن يتحقق من خلال المؤتمرات العلمية مهما كانت ميزانياتها، ومهما بلغ عدد حضورها، فالتعليم في جوهره تأهيل وإعداد وليس تلقيناً وحفظاً ومؤتمرات! ومتى أدركنا ذلك نكن قد خطونا الخطوة الأولى في سلم إصلاح التعليم!
