
رغم علمي مُسبقاً أن الأطراف المعنية في هذا الحديث ستخالفني الرأي مُسبقاً.. بل وستضربني بسياط الكفر والإلحاد.. وستتهمني بالخروج عن نطاق ما يبيح لي المجتمع من حرية تعبير ورأي.. وذلك لأسباب عديدة.. قد يكون أولها.. لكوني أطرح أمراً هو، لدى تلك الأطراف، غير قابل للبحث ولا للنقاش.. وثانياً.. لكوني امرأة.. ناقصة في تكوينها العقلي والبدني.. لها أن تسمع.. وتتلقى دون أن تجرؤ على الانخراط في حوار (الرجال القوامون) ونقاشهم. ولكنني انطلق من عهد.. عاهدته على نفسي.. منذ صبيحة الثاني من أغسطس.. أن لا أتراجع عن قول فيه صلاح لهذا الوطن.. فالله والوطن دائماً من وراء كل قصد وكلمة.
الجدل الدائر في هذا الوطن.. حول تعديل وتغيير المادة الثانية والالتزام بالشريعة الإسلامية في كل أمر من أمور الوطن.. أصبح ولا شك كحديث النفس.. أو (المونولوج) الكل يتحدث.. والجميع يتكلم.. لكن أداة الحوار مفقودة.. فالكل ينطلق من افتراض كونه الطرح الأفضل.. والخيار الأصلح.. حتى لقد طغى حوار الطرشان.. على كل المناظرات الدائرة حول قضية تطبيق الشريعة.
بداية وقبل الدخول في أي حوار.. نقول أن الشريعة الإسلامية. بمغزاها الروحي والرباني. هي أساس بنية هذا الوطن.. فأركان الإسلام الخمسة.. والتي تُخرج تاركها عن دائرة الإسلام.. هي حاضرة بكل معالمها في هذا الوطن.. والصلاة عماد الدين.. يُترجم حضور المساجد إصرار المواطن وحفاظه على أدائها والوطن يتلألأ بتقوى الله في أيام الصيام الكريمة. وحج البيت يحرص عليه من يستطيع ومن لا يستطيع سبيلاً إليه.. والزكاة.. يمتد ويتردد صدى الحريصين على آدائها إلى خارج أسوار الوطن.. والجميع ولله الحمد يسبّح بحمد الله. ويشهد برسالة رسول الأمة. ذلك هو أساس الإسلام الذي عاش آباؤنا وأجدادنا.. من قبلنا في ظل تقواه.. أما فيما عدا ذلك.. فليسمح لي جيل الإسلام الجديد.. أن أرى أنه قابل للنقاش والحوار.. بل أن أيّ عملية تغيير.. في شأن من شؤون المجتمع.. لا بد وأن تكون خاضعة أولاً لحوار حقيقي خلاق.. ولا نعني هنا المطالب التي ينادي بها البعض لتطبيق الشريعة وحسب وإنما أي عملية تغيير تطال آثارها وتطبيقاتها فئات المجتمع بأكمله.
التغيير سواء كان باتجاه التحوّل إلى العمل بالقوانين الإسلامية. واستبدال كل القوانين الوضعية والتي فرضتها ظروف ما بعد الدعوة المحمدية. وأئمة الاجتهاد الأربعة. بأخرى إسلامية خالصة، والذي هو المطلب الأساسي في الدعوة إلى استكمال تطبيق الشريعة.. نقول.. أن التغيير أياً كانت فحواه.. هو بلا شك عملية تراكمية تفرضها ظروف سابقة. تُعد وتصيغ ملامح هذا التغيير أو ذاك.. فمع كون التغيير مسألة حتمية في حياة المجتمعات.. كما هي في حياة الأفراد.. بل وكذلك في تكوينهم الجسماني.. إلا أن ملامح التغيير تُشكلها وتُنشطها. تجارب سابقة مشابهة.. أو ظروف سابقة ومُعاصرة معاً توجه عملية التغيير باتجاه ما استحدثه الزمن من احتياجات.. وما تفرضه ظروف مغايرة من معطيات ولعلّ في ذلك السبب يكمن امتناع الكنيسة بالانفصال عن السلطة السياسية في المجتمعات المسيحية آنذاك رغبة من رجال الكنيسة بأن ينأوا بالدين عن المداخلات والمهاترات السياسية.. في فترة وصل الصراع السياسي وصراع السلطة أشده.. واشتدت ملامح التغيير السياسي والاجتماعي بروزاً.
إذا كانت رغبة المطالبين باستكمال الشريعة.. نابعة من تجارب دول وشعوب أخرى.. فمن حقنا نحن كمواطنين أن نتساءل.. أي حكم إسلامي سيقنعنا المطالبون بأن نقتدي به.. هل هو الحكم الإسلامي الخميني.. الذي حول إيران من دولة كبرى في المنطقة غنية بحقولها الزراعية وصناعاتها البترولية إلى جمهورية إسلامية “متخمة بالديون.. ومثكلة بجراح الحروب.. تتنافس مع أمريكا اللاتينية في إنتاج الحشيش والمخدرات.. الذي حل محل الحقول والمنتجات الزراعية!! أم هو إسلام “البشير” و”الترابي” و”النميري” الذين هرّبوا (الفلاشا) اليهود إلى إسرائيل.. واصطفوا إلى جانب العلمانية في العراق إبان غزو الوطن!! هل هو إسلام “القذافي” الذي بعث بـ “الكتاب الأخضر” بديلاً عن القرآن الكريم!! أم هو إسلام القادة الأفغان الذين قتلوا بأيديهم من بني جلدتهم أعداداً تفوق ما قتله الشيوعيون الملحدون!!
إن ذلك ليس استهزاء.. ولا شماتة في تجارب شعوب ودول أخرى.. وإنما هو تأكيد للمطالبين بتطبيق الشريعة.. إن من حقنا كمحكومين أن نطالب بالإفصاح عن برنامج مفصل.. وواضح لحيثيات تطبيق الشريعة.. خاصة وأن هنالك أموراً كثيرة.. لن يستطيع المطالبون إتمامها دون الإخلال بمبدأ الحرية الفردية.. الذي هو أساس مكونات العصر.. والديمقراطية.. التي تُبيح للمطالبين بتطبيق الشريعة.. بالإفصاح والتعبير عن مطالبهم!! بل وقد أكد عليها الدين الإسلامي في أكثر من موقع وقول.
F ﵟفَمَن تَبِعَنِـي فَإِنَّهُۥ مِنّـِيۖ وَمَنۡ عَصَانِـي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦ﵞ ﵝإِبۡرَاهِيم : ﵖﵓﵜ a.
ليس هذا وحسب. وإنما هناك أمور أخرى.. قد يكون من اللاإنصاف إخضاعها للقوانين الدينية.. وما يعنيه ذلك بالطبع من حاجة إلى قوانين وضعية وبشرية في تعليلها وتنظيم العمل بها.
قد يكون من حق التيار الإسلامي أن يمتلك طموحاً سياسياً أو غير ذلك من طموحات. ويعمل في سبيل تحقيقها إلا أنه وبالتأكيد لا يملك الحق في إلغاء ما سواه من تيارات أخرى.. أو في الحصول على طموحاته من خلال أساليب تضليل.. مثل جعل الخلافة الأموية الوراثية.. أساس الخلافة الإسلامية.
وذلك في سبيل الخروج من مأزق تعارض مطالباته مع المادة الثانية من حكم الوراثة في الوطن أو باستشهادهم بالمثال السعودي الوراثي.. كمثال عصري للنظام السياسي الوراثي الإسلامي!! وإصرارهم على تأكيد عدم التناقض مع نظام الوراثة. يفسره اصطدام طموحاتهم بهذا العائق.. على الرغم من أن نظام الوراثة ليس هو الأساس في نظام الحكم في الإسلام.. فإجماع المسلمين على أبي بكر G في سقيفة بني ساعدة مناقض لمبايعة عمر بن الخطاب لأن أبا بكر أوصى ببيعته.. ومخالف لاختيار أهل الحل والعقد لعثمان وعلي.. كما ولا يمت بصلة لتولي معاوية بحد السيف.. ولا لتولية “يزيد” بالوراثة.
للأسف الشديد.. إن دعوة تطبيق الشريعة لا تخوض في مثل هذه الأمور بل وتتجاوزها للمطالبة بإخفاء المرأة في البيت.. باعتبارها أساساً للفتنة.. وملهاة للرجل. وفصل الطالبات عن الطلبة للغاية ذاتها.. واحتكار الإعلام ومنع الغناء والمسرح.. وكافة أشكال الفنون.. للحفاظ على مشاعر الرجال القوامين!!
