
لا تزال الضجة التي أثارها قرار فرنسا بحظر كل مظاهر الانتماء الديني في مدارسها قائمة وعالقة، ولا يزال الجدل حولها حامياً وساخناً في القنوات الإعلامية! وبينما عبرت اللجنة الفرنسية المخولة بتطبيق القرار الجديد عن رأيها في أن المسألة المطروحة لم تعد حرية المعتقد بل النظام العام، وحيث رأت على ضوئه منع ارتداء الملابس أو وضع العلامات التي تشير بشكل ظاهر إلى انتماء ديني أو سياسي معين في مؤسسات التعليم الفرنسية، جاءت تصريحات أستاذ الشريعة في جامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية منددة بالقرار الفرنسي، لأن الحجاب كما يراه المسلمون ليس اجتهاداً من أحد الفقهاء، وإنما هو ثابت ثبوتاً قطعياً من الله عز وجل، وأن قانون شيراك يتنافى مع الحرية!
القضية إذاً ساخنة لأنها تشكل معركة جديدة بين الفكر العلماني من جهة والفكر العقائدي الديني من جهة أخرى، وهي معركة مستمرة منذ قرار الفصل بين الدين والدولة في أوروبا عام 1905، كما يبعث هذا القرار سؤالاً، لم تحضر إجابته بعد، حول “التسامح” بشكل عام سواء الديني منه أو القومي أو العرقي أو الاجتماعي! وعما إذا كان مفهوم التسامح قابلاً للتطبيق بصورته المطلقة!
في كتاب “التسامح بين شرق وغرب” لمجموعة من المؤلفين، يسرد سمير الخليل أحد المشاركين في الكتاب ملخصاً للأصول التاريخية للتسامح حين تحولت أوروبا خلال القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر إلى أرض يباب بفعل الحروب الدينية، حيث خسرت ألمانيا وحدها نصف سكانها، بينما شغلت حروب الفرنسيين الدينية حقبة من الوقت بدأت عند نهاية القرن السادس عشر حين جرى إفناء البروتستانت وانتهت مع الحرب ضد إسبانيا! كما أظهرت الثورة الإنكليزية، خلال أربعينيات القرن السابع عشر أن الناس – حتى في إنكلترا – كانوا لا يزالون ينظرون إلى السلطة، وإلى الدولة، وإلى الثورة الاجتماعية انطلاقاً من المقولات الدينية، والحال أنه منذ زمن الإصلاحات ونهضة النزعة الروحية كرد فعل على مادية عصر النهضة، أصبح التعبد قوة تاريخية عظمى انتشرت خلال الحقبة الأكثر تعصباً من حقب التاريخ الأوروبي، في ذلك الحين كان الدين هو الأيديولوجيا السياسية الوحيدة الممكنة، أما المحاولات الكثيرة والمتنوعة التي جرت لإلغاء الانشقاقات الدينية في أوروبا، فإنها باءت بالفشل من الناحية العملية!
وسط كل هذا الاستشراء للنزعة الدينية ولدت فكرة بصورة مباغتة لتصبح عبئاً على كاهل المصائب الأوروبية، فإذا كان من غير الممكن إلغاء الدين والعبادة، فقد يكون من الممكن ملاءمتهما مع وضعية جديدة يتم فيها الفصل بين حقل النظرية الدينية، وحقل الواجب السياسي، وفي أصولها لم تكن العلمانية نظرية تستهدف مناحرة الدين، بل كانت مجرد تقنين للفكرة القائلة إن المشروعية السياسية لا تحتاج لأن تنحدر من لدن سلطة متجاوزة فوقية، بل إن بالإمكان لها أن تؤسس على أساس الاتفاق العلني أو غيره الذي يقوم بين الرجال والنساء العاديين الذين إن لم يفعلوا ذلك فسيكونون قد تركوا قضايا نفوسهم المهمة بين أيدي رجالات الكنيسة!
الحرب الفرنسية ضد الحجاب الإسلامي وغيره من مظاهر الانتماء الديني هي إذاً جزء من حرب الدولة ضد المؤسسة الدينية! تلك الحرب التي حسمت نتائجها لصالح الدولة، وذلك من خلال تحييد الكنيسة وإلغاء دورها السياسي، وظهور الجمهوريات العلمانية التي تعتبر الجمهورية الفرنسية أبرزها!
هل سيصمد القرار الفرنسي بإلغاء كل مظاهر الانتماء الديني؟ هذا هو السؤال الذي يبقى قائماً ومثيراً للكثير من المخاوف سواء داخل فرنسا أو خارجها، خصوصاً في دولة كفرنسا يأتي الإسلام كثاني الأديان فيها.
وهل يمكن أن يخلق القانون الفرنسي حول العلمانية صورة جديدة من صور اللا تسامح بشكله الديني أي اللا تسامح الديني، وهو الشكل الذي تسبب في حدوث القدر الأكبر من الأذى عبر تاريخ البشرية؟ خصوصاً في ظل صعوبة وضع تفسير خاص ومحدد للا تسامح الديني؟ الإجابة ستكون في القادم من الزمن، وفي ردود الفعل تجاه القانون الفرنسي العلماني!
