الأرشيف

الكويت.. عميدة الدبلوماسية والحياد

[جريدة القبس 9/3/2024]

موضوع تكرّر كثيراً، لكنه يبقى موضوعاً مُستَحَقًّا، خاصة في ظل الأزمات والتقلبات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، وهي حالة من عدم الاستقرار شبه الدائمة.
مسألة حياد الكويت ليست خياراً عابراً تحكمه ظروف استثنائية، وإنما هو حالة دائمة أمّنت وتؤمّن للكويت أمناً واستقراراً وأماناً، فهي كدولة، وبحكم جغرافيتها السكانية والسياسية والبحرية، لا تملك إلا أن تقف موقفاً محايداً من الصراعات الإقليمية، فلا حجمها السياسي ولا العسكري ولا الجغرافي ولا السكاني يؤهلها لأن تكون طرفاً في أي من تلك الصراعات، فعبر تاريخها، الذي شهد عام 1613 بدايته، امتهنت الكويت حياداً مكّنها من أن تصبح مركزاً تجارياً في شمال الخليج، وجعلها ميناء رئيسياً لكل من شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين. امتهن أهلها الغوص على اللؤلؤ والتجارة البحرية بين الهند وشبه الجزيرة العربية إلى أن بدأت حقبة النفط وصدّرَت الكويت أول شحنة نفط عام 1946، ومعها تغيّرت معالم المنطقة، واتخذت الصراعات بين دولها أشكالاً مختلفة، واتخذ التنافس عليها كمنطقة ثرية منحى آخر، بحيث تحكّمت الجغرافيا السياسية في الكثير من القرارات والمواقف. ومع ذلك استطاعت الكويت، وإلى حد كبير، أن تحتفظ بدرجة من الحياد مكّنتها من البقاء في بقعة ملتهبة وحقب ساخنة متعاقبة.
خرجت الكويت عن حيادها المعهود إبان الحرب العراقية الإيرانية، وكانت النتيجة المباشرة غزو نظام صدام حسين لحدودها وأمنها، وما صاحب ذلك من كوارث سياسية وعسكرية وأمنية لا تزال المنطقة تعاني منها.
شيطنة دولة ما، أو مبادلة دولة ما العداء، أو أي مسلك سياسي بغير الحياد، بالإمكان أن يشكّل مصدراً لاستفزاز جارة أو شقيقة أو أي دولة من دول المنطقة، هو أمر لا يصب في مصلحة الكويت، وإنما يشكّل خرقاً لحيادها الذي طالما أمّن لها الاستقرار عبر عقود.
الحياد ليس ضعفاً على الإطلاق، وإنما على العكس من ذلك، الحياد رؤية بعيدة المدى واستشراف للأحداث واحتمالية تداعياتها، ومن ثم بناء القرارات على ذلك.
الحياد لا يعني عدم مبالاة ولا هو بحالة سلبية تنتهجها دولة ما، بل هو تعبير عن سياسة مستقلة قد لا تتماشى مع رغبات المتحاربين أو المتنازعين، وهو يعكس حالة من القوة لا العنف، ولا يعني ذلك قوة عسكرية، وإنما قوة أيديولوجية سياسية أو اقتصادية تؤمّن للمحايد موقفه.
حياد الكويت مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى، فالشرق الأوسط مُقبل على تغيير جغرافي سياسي قد لا يختلف عما حدث بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومحاولة بعض وسائل الإعلام شيطنة بعض الدول وتصويرها عدواً بديلاً عن الكيان الصهيوني، يجب ألا يتداخل مع موقف الكويت المحايد، والذي لم يتراجع يوماً عن دوره العروبي، خاصة ما يتعلق منه بالقضية الفلسطينية، التي كانت لها الكويت وطناً حتى في أحلك الظروف.
لقد تم استخدام فزّاعة السلاح النووي لتدمير العراق، ثم فزّاعة “داعش” لتحطيم سوريا، واليوم يتم استعمال فزّاعة النووي الإيراني لتفتيت المنطقة وتقسيمها إلى كيانات قائمة على قوميات عرقية وطائفية تحقّق الانسجام المطلوب مع الكيان الصهيوني بهيئته العنصرية الراهنة، وفي ظل واقع كهذا، يكون أي خروج للكويت عن حيادها وسط تجاذبات سياسية قائمة، بمنزلة النهاية لها كدولة مستقلة محايدة وصغيرة.
وصفها خطار أبو دياب الأستاذ والباحث في العلاقات الدولية في باريس بالعميد الدبلوماسي للعرب، مضيفاً في مقابلة مع إحدى الفضائيات الإخبارية أن الكويت دولة دبلوماسية حذرة تحاول دائماً أن تلعب دور الوسيط العاقل، وحتى رغم دورها الأساسي في تأسيس مجلس التعاون الخليجي إلا أنها لم تُصَنّف ضمن تيار ما.
وساطة الكويت كانت حاضرة في أكثر من محطة، حضرت كوسيط في خلاف مصر والسعودية في اليمن، وتدخّلت بين اليمن الجنوبي وسلطنة عمان، ولعبت دوراً بين باكستان وبنغلادش في سبعينيات القرن الماضي.
هذه بعض من الأمثلة للدور الذي لعبته الكويت في الوساطات بفضل حيادها، وهو الحياد الذي أمّن لها أمناً واستقراراً وأماناً، وجعلها عميدة الدبلوماسية بحق.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى