
اليوم يحتفل الوطن بإتمامه العام الأربعين من رحلة الاستقلال التي بدأت عام 1961، وغداً يستعيد المواطن ذكرى تحرره ويحتفل بربيعه العاشر منذ ولادة فجر يوم التحرير في عام 1991، وبين التاريخين يمتد عمر مقداره ثلاثون ربيعاً كانت لها ملامحها وخصوصيتها كما كانت لما قبلها وما بعدها خصوصيته وسماته.
قد لا تحتمل مسيرة الأربعين تقسيماً أو تصنيفاً لمراحلها، وذلك قياساً بالمراحل الزمنية التي تعتمد عادة عند تقييم أو دراسة مرحلة من تاريخ دولة أو أمة، لكنها بأحداثها وانعكاساتها على الناس في الكويت تحمل من الغزارة الشيء الكثير الذي سيبيح لنا أن نعتمد تصنيفاً لمراحلها نميز من خلاله الأحداث، والناس والمناخ السياسي والاجتماعي السائد في كل حقباتها أو مراحلها الثلاث؛ مرحلة ما قبل الأربعين أو ما قبل الاستقلال، ومرحلة الأربعين أو ما بعد الاستقلال، ثم مرحلة ما بعد التحرير كانت الكويت فيما قبل الأربعين في قمة نضجها وعنفوانها كانت أكثر ثقة بالمستقبل، وأكثر قدرة على المراوغة والمبادرة.
فعلى الرغم من هامش الحرية السياسية والفكرية البسيط آنذاك بفعل خضوع قرارها للتاج البريطاني، إلا أنها كانت في أوج خصوبتها السياسية التي أثمرت مكاسب شعبية دشنها أهل الكويت في “سنة المجلس” لتتلاحق فيما بعد مكاسب الوطن الديمقراطية التي ندين لها الآن بكل ما نملك من حرية فكر وسياسة ورأي.
وفي الأربعين تزوجت الكويت وكان كتاب قرانها دستوراً، زاوج بين الحاكم والمحكوم، أما المهر فكان مجلساً تأسيسياً مهد الطريق لما تلاه من مجالس منتخبة، وكانت الكويت في تلك الحقبة، شأنها شأن كل عروس مفرطة في ثقتها ومعتدة بقدراتها، فأتمت تعليمها في الأربعين، وزينت مرافقها وهي في الأربعين، وشيدت صرحها الصحي في ذلك العمر، وأنجبت أبناءها في الأربعين، فكانوا خير مواطنين شعارهم الأمانة وديدنهم الإخلاص والاستقامة، وسماتهم الصدق والإيثار، فكبرت الكويت بهم ونمت وامتدت عالياً في سماء جيرانها وأهلها، كانت خير أم وكانوا صفوة الأبناء وخيرتهم، إلى أن انهار البناء يوم الثاني من أغسطس 1990، فاعتلت الكويت ومرضت وتساقط أبناؤها صرعى الوباء والحزن، وذلك قبل أن تنهض بهم ويخرج من جوفها صمود عنيد ومقاومة شرسة وإصرار من الجميع على الشفاء.
وكان الله لطيفاً بالجميع حين أصلح ما أتلفه خائن العراق وأعاد للكويت بيتها وأبناءها، لكن شرخاً كبيراً كهذا لا بد أن يكون قد خلف أثراً وعلامة بارزة اصطبغت بها مرحلة ما بعد التحرير والتي سجلت أقسى وأصعب مراحل الكويت الممتدة عبر تاريخها الأربعيني، فلقد شاخت عروسنا كثيراً في هذه السنوات العشر، وخط الحزن واليأس أخاديده المتعرجة فوق جبينها، لم يكن حزناً بفعل الحرب ولا بسبب مأساة الغزوِ، بل كان حزناً فريداً مصحوباً بأنين أسف لما آلت إليه أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حزناً رضخت له الكويت، العروس الأربعينية يوم أن رضخ أبناؤها للفساد ينهبهم، وللفوضى تبعثرهم، وللمهاترات الهامشية تضيع عليهم إنجاز أهل الاستقلال وتموه الطريق أمامهم نحو الانطلاق في ركب التقدم والنمو والازدهار، فسقط التعليم في حفرة الجهل والجهلة، ومات الاقتصاد بفعل جمود القرار والتردد، وتفكك المجتمع بسبب الفساد والبطالة.
لكن الأمل يجب ألا يموت، فلا تزال تحاصر عروسنا الأربعينية مجموعة من أبنائها البررة المخلصين الذين لم تحبطهم تجاعيدها وإنهاكها، أولئك الذين لا يزالون يرون في الكويت عروساً في الأربعين يحدوها الأمل بأن تعيد بناء ما اقتلعته رياح الزمن والعدوان، وأن تعيد معهم تشييد كويت الاستقلال الأبية.
