الأرشيف

الكويت دولة مدنية

[جريدة القبس 13/3/2012]

قانون الحشمة الذي طرحته كتلة “العدالة” لا يسيء للدولة المدنية وحسب، وإنما ينتهك الحريات التي بفضلها أتت كتلة “العدالة” إلى مجلس الأمة!
وما إن خرجت كتلة “العدالة” بقانونها الفذ حتى فوجئنا بكارثة إغلاق معرض الفنانة شروق أمين بدعوى أنه يحوي لوحات خارجة عن الذوق العام!
وقبل أن تضع كتلة “العدالة” قانونها، نتمنى لو أنها طرحت مفهوماً واضحاً للحشمة وللفضيلة! هل الحشمة هي في نوع معين من الملابس؟ وهل الحجاب أو النقاب أو أي شكل من أشكال اللباس الخارجي يمكن أن يوفر الحشمة بحسب مقاييس السيد هايف ومجموعته؟!
حتماً لا، فهنالك محجبات ومنتقبات أبعد ما يكن عن الحشمة، وفي المقابل هنالك سافرات يعكسن قدراً وافراً من الحشمة، وهكذا!
ليس الهدف من وراء المطالبة بقانون للحشمة هو فقط ما دفع هايف وجماعته إلى ما قالوا، وإنما الهدف أبعد من ذلك بكثير، وهو هدف يصبّ مباشرة في إلغاء الدولة المدنية وتهميشها في سبيل فرض الدولة الدينية، فقبل قانون الحشمة، كانت هنالك دعوات لإلغاء الفوائد الربوية، وتقييد حرية المصارف المدنية، ثم جاءنا من يطالب بهدم الكنائس، على اعتبار أننا دولة إسلامية، متجاهلاً بذلك الأقلية المسيحية من الكويتيين، ومئات الآلاف من المقيمين المسيحيين، الذين من حقهم ممارسة شعائرهم بحرية!
ما يثير الدهشة حقاً هو إصرار هايف وجماعته على التمتع بمكتسبات علمانية مثل الديمقراطية والانتخاب والترشح وتنظيم الحملات الانتخابية وغير ذلك، لكي يحصل على ما حصل عليه من مكانة سياسية بفضل الديمقراطية العلمانية، ليأتي فيما بعد وينكر على الدولة مدنيتها، بل ويرفض حتى الوقوف احتراماً للسلام الوطني!
المحزن في الأمر هنا أن الدولة بمؤسساتها قد أصبحت في خدمة حكومة هايف وجماعته، فالذي حدث في معرض الفنانة شروق أمين قد حدث بموافقة الدولة ممثلة في وزارة التجارة، ومعها حماية وزارة الداخلية، التي أغلقت معرض الفنانة التشكيلي! وهي خطوة غاية في السذاجة، خاصة في ظل ثورة المعلومات والاتصالات، التي بفضلها لم تعد هنالك قيود ولا حدود بالنسبة لانتقال المعلومة والصورة وغيرهما!
الذي يجهله هايف وجماعته أن الشعوب اليوم، وخاصة الشباب، لا ولن تقايض حرياتها بأي شكل من الأشكال، فالحرية بالنسبة لجيل الشباب اليوم هي شبه مقدسة، وجموع الجماهير التي خرجت في شتى عواصم العالم العربي، كانت تنادي بضرورة احترام الحريات أولاً، وترسيخ المجتمع المدني القائم على الديمقراطية!
فإذا كان هايف وجماعته منزعجين من مدنية الدولة، فالأجدى بهم التحول إلى دول لا ديمقراطية فيها ولا حريات، ويتركوننا ننعم بدولتنا المدنية التي بناها أجدادنا حماية لنا!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى