
في أحد الأفلام التسجيلية التي يبثها تلفزيون الكويت بين الحين والآخر فيلم يصور احتفالية مرور عام على الاستقلال ظهر فيها المغفور له الشيخ عبدالله السالم وهو يهم بإلقاء خطاب في تلك المناسبة! وما إن بدأ بإلقاء التحية حتى أخذ الحضور بالتصفيق، فما كان منه إلا أن أشار بيديه إلى الحضور طالباً منهم التوقف عن التصفيق، ثم استمر في حديثه.
علاقة الحاكم بالمحكوم أو الشعب بالنظام في عالمنا العربي لا تزال علاقة مشوهة في أحيان كثيرة! وهي قد تصل أحياناً إلى العنف والاضطهاد والقتل، وكما كانت الحال في علاقة نظام صدام حسين بشعبه! أو قد تكون علاقة تديرها وتسيرها أجهزة الاستخبارات والتجسس، وكما هي الحال في العديد من الدول العربية! أو أنها علاقة يخيم عليها النفاق، الذي غالباً ما يكون ممزوجاً بمحاولات البعض لطرح ما لديهم من أهازيج وأشعار وأغانٍ تكرس في طريقها تلك العلاقة المشوهة وذلك لدى الناشئة من الشباب والأبناء!
وعلى الرغم من أننا في الكويت قد قطعنا مرحلة لا يستهان بها في مسارنا الديمقراطي، الذي أرسى ثقافة بناء الدولة الحديثة التي أصبح يحتمها توسعنا السياسي والاجتماعي، فإننا وبكل أسف، لا نزال متمسكين بجذور الدولة القبيلة، بحيث انعكس ذلك على جميع شؤوننا، بل أصبح عائقاً في سبيل تحولنا الحقيقي إلى دولة حديثة تديرها وتحركها مؤسسات فاعلة وقرارات جماعية ناضجة وليس دولة قبيلة لا تتجاوز رقعتها الجغرافية حدود مؤسسيها ولا تخرج قراراتها عن دائرة أعيان القبيلة.
لقد كتب الكثير وتحدث وأثار مسألة الإفراط إلى حد المبالغة في التهاني والتبريكات لرموز الدولة ووزرائها! وحذر هؤلاء من مغبة الانتكاسة والعودة إلى الوراء في مشروعنا الهادف إلى الخروج بالكويت من شرنقة القبيلة إلى فضاء الدولة الحديثة! لكن على ما يبدو فإن ملاحظاتهم تلك لم تتجاوز خانة الحديث والقول لكن لا شيء أكثر!
إن أبرز دلالات الانتقال من الشكل والكيان القبلي الضيق إلى التكوين الحداثي والواسع للدولة يكمن في التحول الذي عادة ما يطال مفهوم وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم!
ففي المفهوم الضيق للقبيلة يتمتع شيخ القبيلة بهالة وسلطة تؤهلانه لأن يكون صاحب الكلمة الأولى والقرار الأول في كل شؤون رعايا القبيلة وأفرادها! بينما تكون العلاقة في إطار الدولة الحديثة بين الحاكم والمواطنين أكثر تعقيداً وتشعباً تنظمها القوانين والتشريعات بدلاً من العادات والقيم والتقاليد!
في الشكل الحديث والمركب للدولة لا مكان لشاعر القبيلة ولا لهبات الذهب والفضة من بيت المال! لأن العلاقة بين الشعب والنظام أو بين الحاكم والمحكوم هي أكثر نضجاً وتعقيداً عما كانت عليه في حالة القبيلة! فالدولة في نهاية المطاف لا يمكن أن تقوم أساساتها على أهازيج نصر وتهان وشعر وغناء! وإنما هي قائمة على علاقة ناضجة وصحيحة بين الشعب من جهة والنظام من جهة أخرى.
إن ما تشهده الكويت اليوم من مبالغات في رسم أطر العلاقة بين الشعب والنظام، هو مسألة غاية في الخطورة! ليس بسبب ما تحويه تلك الأغاني والأشعار والتبريكات، وإنما لأنه يشكل عثرة في طريق تحولنا من القبيلة إلى الدولة!
