الأرشيف

الكونغرس في الكويت

[جريدة القبس 1/8/2022]

لم تكن زيارة بايدن للشرق الأوسط في الشهر الماضي بِهَدَف تعزيز أمن إقليمي جديد ومختلف، وفقاً لما أعلنه بعض المحللين السياسيين، ولا هي بِهَدَف حلحلة الوضع في الأراضي المُحتلّة مع تأكيد رؤية حل الدولتين.
الرئيس الأمريكي أعلنها أكثر من مرة بأن هدف الزيارة هو ترسيخ نفوذ “مُختَلف” في الشرق الأوسط، أساسه بناء قوة مُتكامِلة في جميع أنحاء المنطقة ضد إيران، مشيراً إلى أن مؤسسة الدفاع الأمريكية سوف تتولى مهمة تطوير هذا التحالف في السنوات المقبلة، بوصفه الوسيلة الرئيسية لكبح جماح العدوان الإيراني في المنطقة على حد قوله.
ابحث عن الاقتصاد في كل الحروب العسكرية والسياسية، فالمال هو المُحرّك الأول دائماً وليس المبادئ ولا القِيَم الفكرية ولا الشعارات السياسية.
الانهيار الاقتصادي العظيم في الثلاثينيات كان هو الجذوة التي أشعَلَت نيران الحرب العالمية الثانية، والركود الاقتصادي العالمي في نهاية الثمانينيات فَجّرَ حروب الشرق الأوسط لأكثر من ثلاثة عقود، بل إن حرب أوكرانيا المُفتَعَلة سياسياً يقف وراءها المال بسطوته ونفوذه.
منذ التسعينيات ونحن نسمع في أدبيات الغرب مُفرَدة التنين الصيني، والمارد الروسي، وحين اقترَبَت هذه المخاطر من أسوار واشنطن ودول الناتو، أصبحت الحرب حتمية، ومحاصرة مخاطر التنين والمارد مسألة بقاء واستمرار، خاصة لواشنطن، التي استطاعت أن تَجر معها دول الناتو في حرب استنزافية على وَقْع التهديد الاقتصادي القادم من دول الشرق الأقصى، والذي أصبح ملموساً أكثر من أي وقت مضى، خاصة في مناطق نفوذ واشنطن والغرب في منطقة الشرق الأوسط الثريّة بمواردها وجغرافيتها الاستراتيجية.
في فبراير عام 2020 وقبيل الإغلاق العالمي جراء كورونا، تلقّيت مكالمة من المكتب الإعلامي في السفارة الأمريكية لحضور جلسة حوارية مُغلقة يتحدّث فيها ثلاثة مسؤولين من الكونغرس الأمريكي، محورها علاقة دول المنطقة بالصين والولايات المتحدة.
كان الحضور محدوداً والحوار مفتوحاً، حيث بدأ أحد أولئك المسؤولين في التحدّث وبصورة استفزازية جداً حول حاجة دول الخليج الماسّة للتواجد الأمريكي، وبأننا كدول خليجية نستطيع التعاون تجارياً واقتصادياً مع الصين، لكن في حالة الخطَر لن تكون الصين هي من يدافع عنا.
دفعني أسلوبه المستفز حينها للتعقيب عليه حول الفرق بين تواجد القوتين في المنطفة، فالصين دخَلَت الخليج من خلال صفقات تجارية ومشاريع إنشائية، ولم تَتَدخّل في شؤون دول الخليج الداخلية ولم تُحرّض دولة ضد أخرى، ولم تزرع الانشقاقات، ولم تُشعِل الحروب، ولم تَستَنزف الثروات، ولم تَعمَل على تقسيم المنطقة عرقياً وطائفياً. بينما فَعَلَت واشنطن والغرب ذلك، وها هو تقسيم المنطقة يَتم وفقاً للخريطة التي رسمها “تشرشل” فوق محرم الأكل الورقي كما تقول المصادر التاريخية.
جاء رد الضيف الأمريكي حينها أن كل ذلك غير صحيح، وأن الولايات المتحدة تَتَمتّع بعلاقات تجارية وسياسية غاية في التسامح والتعاون مع الصين، لكنه مع ذلك، وبحسب كلماته حينها، يدعونا إلى شراء أي جهاز هاتف من أي علامة تجارية باستثناء “هواوي”، الذي أثبت على حد قوله أنه جهاز تجسّس، متجاهلاً هنا أن التجسّس ميزة تتشارك فيها اليوم كافة الأجهزة وليس “هواوي” وحده.
التحالف التجاري بين روسيا والصين، ومعهما إيران، هو الذي أيقَظَ مخاوف واشنطن ودول الناتو، وما الحرب في أوكرانيا إلا بداية في التعبير عن هذه المخاوف، والتي سَتَجر حتماً على الشرق الأوسط تدابير مختلفة. فالولايات المتحدة لن تستطيع أن تضغط على الصين اقتصادياً من دون دعم الناتو، كما لا يمكنها احتواء الطموحات الصينية في الشرق الأوسط من دون الوصول أولاً إلى شرق أوروبا.
في ظل صراعات وحروب الكبار فوق أرضنا لا نملك إلا محاولة الخروج منها بأقل الضرر، والذي يأتي على رأسه تطوير العلاقات بين دول المنطقة لا تدميرها وفقاً لرؤية واشنطن، التي أصبح من الواضح أنها بِصَدد استبدال العدو الصهيوني بدولة مجاورة مثل إيران. وهو أمر سيُدخِل المنطقة بأسرها في سلسلة حروب متواصلة لا تنتهي.
واشنطن تعود اليوم بالادعاءات القديمة نفسها من تعزيز الِقِيَم الديمقراطية في المنطقة إلى تخفيض الوجود العسكري وغير ذلك مما ثَبَتَ عكسه، كما هو الحال في العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر ولبنان وغيرها، بينما ترمي دعوة واشنطن، التي حملها بايدن هذه المرة، إلى مشروع واحد يتلَخّص في محاولات احتواء الصين وروسيا عِبر أراضي الغير.
الاستقرار والأمن في المنطقة لا توفّرهما إمدادات السلاح التي طالما تعهّدَت بها واشنطن، وإنما اتفاقيات فاعِلة ومستقرة ومُستَدامة بين دول المنطقة، حينها فقط ستَنتفي الحاجه للسلاح الذي تؤمّنه واشنطن والحروب التي يُشعلها الغرب فوق أرضنا.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى