
خلال الأسابيع الماضية، شنّت وزارة الداخلية حملات متواصلة لِرَصْد وضبط مخالفي الإقامة، وتَكَثّفت تلك الحملات في بعض المناطق المُكتَظّة بالعمّال.
تفاعُل الناس والصحافة كان واضحاً من خلال ما تم تداوله من صور وأخبار لتلك الحملات بَدَت فيها مجاميع كبيرة من العَمالَة المخالفة.
لا شك بأن ضبط أمور الإقامة والمخالفين لها هو أمر جيد ومطلوب. فمن مهام وزارة الداخلية القبض، أو محاسبة أي متجاوز لقوانين الإقامة في البلد. لكن كان من الأوقع على الوزارة لو أنها تجاوزت في حملاتها هذه دائرة المجني عليهم إلى دائرة الجناة الحقيقيين في معادلة مخالفة الإقامة هنا، فجميعنا يعلم وبالمشاهدة عن قُرْب أن مخالفي الإقامة يأتون كنتاج طبيعي لجرائم الاتجار بالبشر أو بالأحرى تجارة الأنفار، مستخدمين الثغرات والواسطات في قانون استقدام العمالة أو الإقامة، وبأنهم يَجنون من ورائها الملايين تحت سمع وبَصَر الحكومة وقوانينها. فكل عامل من الذين تَفخَر وزارة الداخلية بأنها ضبطته مُتَلبساً بتهمة تجاوز القانون يقف وراءه رأس كبير أو جهة مُتَنفّذة تَنعَم بعائد سخي من وراء معاناة هؤلاء البائسين.
لا تحتاج معالجة قضية مخالفة الإقامة إلى خبرة بقوانين الفيزياء النووية، فيكفي – إن صحت النوايا – البَحث في بطاقاتهم المدنية للتّعرّف على الجهات، أو الأفراد، التي استقدمتهم وقَذَفَت بهم في السوق لالتقاط رزقهم نظير إتاوات يدفعها هؤلاء الضعفاء.
أغلبنا، إن لم يكن جميعنا، صادفته بطاقات مدنية لِعَمالة سائبة تُرِكَت في السوق لِتَبحث عن رزقها، وكل هذه البطاقات المدنية تحمل اسم الكفيل وفقاً للقانون والذي يكون مُدوناً في ذيل البطاقة.
طبعاً في حالة الجهات العملاقة المُتَمَرّسة في جريمة الاتجار بالعَمالة، قد لا يظهر الاسم وإنما جهة الكفالة. وهو أيضاً أمر من السهولة تَتَبّعه، إن صحّت كذلك النوايا هنا.
المأساة تكمن في أنه وبينما يتم القبض على هؤلاء الضعفاء، يستَمتِع كفلاؤهم المزورون بيخوتهم وشاليهاتهم وحياتهم المُترَفة التي تؤمّنها لهم دُخولهم الهائلة من عَرَق مثل هذه العمالة السائبة وخوفها وذعرها وبؤسها.
في مايو من العام الماضي تقدّم النائب عبدالله جاسم المضف بثلاثة أسئلة إلى وزير الداخلية آنذاك ووزيرة الأشغال ووزير التجارة حول عدد العمالة السائبة في الكويت، وأسماء الكُفَلاء المسئولين عن تفشّي ظاهرة العمالة السائبة، وعما إذا كانت هنالك خطة لمعالجة هذه القضية.
سؤال النائب الفاضل عبدالله جاسم المضف لوزير الداخلية كان كالتالي: «تُعَد العمالة السائبة واحدة من القضايا التي تهدّد المجتمع، فهي قد تكون سبباً لارتكاب الجرائم بأشكالها كافة، ولمعالجة هذه القضية والتصدي لتحدياتها لابد من الوقوف على بعض الحقائق والمعلومات المتعلقة بها».
بالطبع كان الصمت الحكومي كالعادة هو الإجابة المأثورة، ولم يشفع لها هنا القبض على بعض الأسماء اللامعة في مجال جرائم الاتجار بالبشر والذي لم يضع حلاً قاطعاً لهذه القضية، بدليل محاولات وزارة الداخلية المستمرة لملاحقة هؤلاء المخالفين مع استمرار غض البصر عن المسئول الحقيقي هنا. يُصنف عادة المجتمع الدولي الاتجار بالبشر كجريمة دولية منظمة تُكلف مليارات الدولارات وتُشَكّل مظهراً جديداً من مظاهر العبودية في العصر الحديث. وجَلْب آلاف العمال من قِبَل مُتَنَفّذ أو شركة وهمية والقائهم في سوق العمل مع دفعهم لإتاوات شهرية أو سنوية، هو بلا شك ما تنطبق عليه صفة الاتجار بالبشر، والتي يعاقب عليها المجتمع والقوانين الدولية.
معاقبة المجني عليهم وتَرك الجناة أحراراً طلقاء في يخوتهم وطائراتهم وحياتهم المترفة يرقى ولا شك إلى جريمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية.
ولا يمكن الاعتماد على النزعة الإنسانية عند البعض، أو الرحمة لدى البعض الآخر لِمُعالَجة مثل هذه القضية. بل يُفتَرَض أن تُكثّف الحكومة وتيرة استهداف المُتاجرين بالبشر، بشكل يجعل المجرم الحقيقي في مرمى الجهود الرامية لحل القضية هنا. بمعنى آخر أن تبدأ العقوبة بالجاني بدلاً من أن تقتصر الاجراءات على المجني عليهم من الضعفاء فقط.
