الأرشيف

الكتابة.. في سوق الآراء!

[جريدة القبس 4/5/1993]

سئل “ميخائيل نعيمة” يوماً عن رأيه في كون الأديب مرآة لعصره فجاءت إجابته كالتالي: “الأديب مرآة نفسه.. وليس عليه أن يكون مرآة عصره إلا على قدر ما ينعكس عصره في نفسه فقد يسبق الأديب عصره والمهم أن يكون مرآة صادقة لنفسه”. وفي إجابته عن سؤال آخر حول الأدب وعما إذا كان الأدب هواية أم صناعة؟ أجاب “ميخائيل نعيمة”: “الأدب رسالة حياة، فلا هو بالهواية ولا هو بالصناعة ولكنه يغدو هواية عند من يضعه في المرتبة الثانية بعد عمل يكرس له حياته.. وهو صناعة عند الذين يتوخون الكسب منه لا أكثر”.
تمعنت في كلمات “ميخائيل نعيمة”، تلك وأنا استمع إلى أحد الأخوة الرياضيين وهو يتحدث عن الأسلوب الذي اتبعه أحد المراسلين الصحفيين للبعثة الرياضية في الخارج وكيف أن ذلك المراسل الصحفي قد هدد رئيس الوفد بالتشهير به من خلال الصحافة إذا لم يدفع مبلغاً معيناً من المال وأن ذلك المراسل قد استند في تهديده ذلك إلى مواقف سابقة لوفود رياضية.. (أكرمه) بعضها خوفاً من نشر فضائحه وأهمله آخرون فقام بالكتابة عنهم والتشهير بهم.
هذه الواقعة ومثلها كثير.. تثير تساؤلات ملحة حول حقيقة المهنة الصحفية وعما إذا كانت هناك أخلاقيات ثابتة وواضحة ومتبعة تحكم العمل الصحفي بل والعمل الأدبي بصورة أكثر شمولاً خاصة في ظل الطابع الشخصي الذي أصبح مسيطراً وبالتالي مميزاً لبعض الصحف والمجلات والذي يجعل القارئ متأثراً بردة فعل صحيفة ما لخبر ما.. وذلك لطبيعة الأسلوب الذاتي المسيطر والذي يصل تأثيره إلى صياغة الخبر نفسه وبالتالي التأثير على معنى وثقل الخبر ذاته.
ولم يقتصر دور بعض صحفنا ومجلاتنا على الترويج لرؤى شخصية وتسويق اعتقادات ذاتية وفردية.. بل تجاوز ذلك إلى مرحلة التهليل والتصفيق مقابل (المقسوم).. ولعل من محتوى الرسالة التي نشرتها جريدة “الطليعة”.. في عددها الصادر بتاريخ 3 مارس 1993 تحت عنوان “ضمائر صحفية للبيع”، ما يؤكد حقيقة بل خطورة الانزلاق في هاوية التملق الصحفي وللذين لم يطلعوا على فحوى تلك الرسالة.. فقد كانت رسالة موجهة من إحدى المجلات الكويتية إلى وزير الإعلام الأسبق للنظام العراقي “لطيف نصيف جاسم”، تطالب فيها تلك المجلة الكويتية باستمرار الدعم المادي لها من قبل نظام بغداد ولا حاجة بنا هنا للتذكير بالثمن الذي دفعه كل من في هذا الوطن من جراء مثل تلك (المبادئ) الصحفية.
إن الحديث عن أخلاقيات المهنة الصحفية.. قد يبدو في ظاهره حديثاً في مثاليات نسبية من الصعب تحديدها والوقوف عليها شأنها في ذلك شأن الأخلاقيات عموماً، فالعمل الصحفي مهنة شأنها في ذلك شأن أي مهنة أخرى يكسب الفرد من خلالها رزقه إلا أن ما للصحافة من تأثير على الرأي العام الشعبي وعلى مواقف المواطنين وتصرفاتهم وعلى الأفراد.. يضاعف من مسؤولية العمل الصحفي ويطرح باستمرار قضية استقلالية الصحافة عن الدولة كسلطة رسمية.. وعن تأثير الفعاليات الاقتصادية.. والمجموعات الضاغطة كالتجمعات والنقابات على الصحيفة والصحافة بصورة عامة.
إن تقييم الكتابة والإنتاج الصحفي سواء كان شعراً أم رواية.. أم مقالاً صحفياً.. هي عملية مشعبة ومعقدة.. فهناك صحافة وأدب لا ترى من إنتاجها أكثر من صناعة تدر نسباً محسوبة من الأرباح فجاء أداؤها مسايراً لطبيعة أهدافها ولم تستطع أن تحقق من الرواج والاستمرار إلا بمقدار ما سمحت به الظروف التي نشأت من خلالها تلك الصحيفة.. أو العوامل التي أدت إلى ازدهار ذلك الكتاب.
وحين يكون الحديث في أخلاق المهنة سواء صحافة أم أدب فنحن لا نعني بالضرورة الأخلاق المهنية التي آمن بها أرسطو والتي ترتقي بصاحب “المهنة” إلى مستوى الحكمة والسمو وإنما نعني أن الكتابة سواء كانت مقالاً أم كتاباً.. والتي ما هي إلا محاولات لترويج أفكار أو تصورات معينة آمن المنادون بها إلى أهمية ترويجها لتعميم الفائدة على المجتمع.. الكتابة بقصد الترويج لرأي أو فكر أو قناعة خاصة مع تصاعد دور الإعلام بما فيه الصحافة في التأثير على الرأي العام وتوجيه الآراء.. أصبح يطرح بشكل حاد قضية المردود المادي على نشر الآراء والأفكار وعما إذا كان مردوداً قابلاً للمساومة والتنفس في سوق الآراء.
لقد أثارت النظرية الشيوعية طويلاً تساؤلات عديدة حول كيفية تقييم عائد الجهد العقلي والذهني ونحن الآن نقف على أعتاب مرحلة هي أكثر حرجاً عما كانت عليه عملية التقييم في ذلك الحين، فنحن نحيا ثورة معلومات جعلت من المعلومة سلعة في سوق الإنتاج وهي ثورة تؤكد على الدور الرائد للمفكرين وصانعي القرار والمخططين والباحثين الذي أصبحوا هم الجزء الأهم في العملية الإنتاجية، وإذا كانت عملية تقييم جهد هؤلاء الذي نستطيع تحديد تأثيرهم المباشر في العملية الإنتاجية ما زالت عملية تثير الكثير من الجدل؛ فإن عملية التقييم ذاتها قد يصعب تحديدها لمن يعرض رأياً أو تصوراً.
لا نريد أن نخوض في مثاليات عملية التقييم هنا.. وإنما هي محاولة للتأكيد على أن الرأي لا يمكن أن يكون سلعة.. سواء كان الحديث من منطلق مثالي أم لا.. وبالتالي فإن الذين يرون غير ذلك فإنهم يحاولون خداع أنفسهم بالتأكيد على حقهم في تسويق آرائهم.. وتقاضي عائداً على جهدهم المبذول في سبيل الترويج لتصوراتهم وقناعاتهم.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى