القميص العراقي

القميص العراقي
إبان الحرب العالمية الثانية دخل رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل على مجلس قيادة الحرب رافعاً يده بتحية النازية وموجهاً حديثه للمجلس قائلاً: إنني أنا أدولف هتلر وأنتم مجلس قيادة الحرب الألماني! ونحن الآن نضع خطة محكمة لقهر الجيش البريطاني، بمعنى آخر: نريد أن نفكر كما يفكر العدو لكي نأمن عدوانه ونكسب الحرب ضده! وبالفعل فقد استطاعت بريطانيا آنذاك أن تقهر الجيش الألماني وتكسب الحرب. الولايات المتحدة اليوم بحاجة لأن تفكر كما يفكر أعداؤها لكي تهزمهم، ولن يتحقق ذلك دون الانفتاح والاقتراب من فكر الأعداء، وبصورة تمكنها ـ أي الولايات المتحدة ـ من قراءة جيدة لفكر العدو وتؤهلها للتنبؤ بردود أفعاله وطبيعة مزاجه السياسي! وعلى اعتبار أن المقاومة العراقية في هذه الحالة هي العدو، فإن الولايات المتحدة قد أخفقت في قراءة فكر العدو هنا!
حين سقط تمثال صدام حسين البرونزي الضخم في ساحة الفردوس الشهيرة في قلب بغداد العاصمة، تصورت الإدارة الأمريكية أن سقوط التمثال يعني سقوط مرحلة من تاريخ العراق تميزت بالعنف والدم والإرهاب، وإن سقوط هذه المرحلة يعني اختفاءها من الذاكرة العراقية ومسحها تماماً من ذهن كل عراقي، لكن ما أغفلته الفطنة الأمريكية هنا أن صدام حسين، وعبر أكثر من ثلاثة عقود استطاع أن يزرع ولاء أعمى لدى شريحة كبيرة من أهل العراق! وهي شريحة رضعت مع حليبها الأول طقوس الولاء لشخص صدام حسين، وهي لا تستطيع أن تتصور العراق بدون الرئيس الضرورة!
كما غاب عن الإدارة الأمريكية أن التعامل مع الشعب العراقي ستكون له معوقاته الكثيرة، أقلها أن الولايات المتحدة تعتبر سلطة احتلال، وبالتالي فإن من المحتمل أن يرفضها الكثير حتى وإن جاءت بعباءة المخلص من نظام صدام حسين! ولا يعلم أحد كيف غاب عن ذهن الأمريكان ضرورة الاحتفاظ بوسطاء بينهم ـ باعتبارهم سلطة احتلال ـ وبين الشعب العراقي بأطيافه وانتماءاته المتعددة، هل هي نشوة نصر أم إخفاق في تقدير الموقف، جعل الأمريكيين يسرحون الجيش النظامي، وجهاز الشرطة، والداخلية، وباقي الأجهزة الأمنية؟ فهؤلاء جميعهم كان بإمكانهم أن يشكلوا وساطة أو حركة وصل تترجم للأمريكيين فكر العراقيين وتطلعهم!
لقد كان النظام السابق في العراق نظاماً عسكرياً ارتكز وبصورة مباشرة على مئات الآلاف من العسكريين، وآلاف المنتسبين للتصنيع العسكري، ومثلهم أو يزيد في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وهؤلاء أصبحوا اليوم بلا وظائف بعد أن كانوا متميزين اجتماعياً ومالياً، يفرضون وجودهم واحترامهم بقوة ونفوذ سلطانهم!
أما بقية الشعب من غير العسكريين فهم مهمومون بتوفير لقمة عيشهم وسط صراع شرس لتجار الحرب والباحثين عن الثروة وسط فوضى الانفتاح في العراق!
وهؤلاء جميعاً يشكلون أرضاً خصبة للفوضى وللتمرد، بل وحتى للثورة على الوجود الأمريكي الذي لم يستطع بعد عام كامل أن يحقق أدنى درجات الاستقرار التي كان المواطن العراقي يطمح لها.
الولايات المتحدة والغرب بشكل عام مختلفون على توقيت نقل السلطة للعراقيين وكيفيته، وهم يتحدثون عن أسلوب تسجيل أسماء الشعب العراقي للانتخابات، وعن شكل العلم الجديد ولونه، وعن العملة الجديدة، بينما ينحصر فكر الشعب العراقي في توفير لقمة العيش، والتحرك دون خطر أو تهديد أمني!
المطلوب من الأمريكيين اليوم أن يرتدوا القميص العراقي وأن يتخيلوا أنهم عراقيون لكي يتفهموا الفكر العراقي الجديد والخارج من أتون ثلاثة عقود من الخوف والرعب والدم!
