
لا شك أننا جميعاً لاحظنا وشعرنا بدرجة الوجوم الذي أصاب المناخ العام في هذا الوطن إثر إعلان النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، ووزير الخارجية عن رغبته في التنحي عن كل مهامه الوظيفية!! فاستقالة الشيخ صباح الأحمد هنا، لا تحمل أبعاداً سياسية وحسب، بل تحوي أيضاً تبعات هي في صلب التكوين العام للدولة!! وتحمل مؤشرات ودلالات هي أبعد وأكبر من كونها مجرد استقالة لمسؤول من منصبه!! لذا فإن مسألة الاستقالة هنا لا يُنظر إليها بكونها استقالة وزير خارجية وحسب، وإنما من حيث أنها تعلن عن تنحي الشيخ صباح الأحمد، المنتمي إلى الأسرة الحاكمة عن مهامه ومسؤولياته!!
وعلى الرغم من انتهاء هذه الأزمة، وعودة النائب الأول ووزير الخارجية إلى مزاولة مهامه ومسؤولياته!! إلا أن حادثة الاستقالة أثارت تساؤلات كثيرة حول النظام داخل مؤسسة الأسرة الحاكمة، باعتبارها إحدى ركائز الشكل العام للدولة في هذا الوطن!!
لقد كان دستور 1962 الوثيقة الرسمية التي ميزت الكويت عن أقرانها خاصة من دول الخليج، فمن خلال الدستور تم توزيع واضح للأدوار وللمسؤوليات، جعل من الكويت مثالاً لنظام سياسي يحوي في إطاره نظام الحكم التقليدي الوراثي، بالإضافة إلى المشاركة والمساهمة الشعبية!! فلقد حدد الدستور أسلوب الأداء في المؤسسات السياسية كلها، سواء كان ذلك ما يتعلق بأمير البلاد ومهامه وصلاحياته، أو كان متعلقاً بولي العهد ودوره، أو في مهام السلطة التنفيذية، أو كان ذلك في رسم دور ومهام مجلس الأمة!!
وإذا كانت مؤسسة الأسرة في بداية نشأة الكويت قد اقتصرت على فئة محددة من أفرادها!! فإنها قد وسّعت من حدودها فيما بعد، لتضم أفراداً من الأسرة ليسوا من ذرية الشيخ مبارك الكبير مؤسس الكويت الحديثة!! وذلك قبل الانتقال إلى مرحلة المشاركة الشعبية والتي بدأت أولاً بإدراج فئة التجار في المشورة والقرار، إلى أن تطور مفهوم المشاركة الشعبية وتعزز دور الشعب ومساهمته المباشرة بعد إعلان دستور 1962، الذي ميز الكويت عن المجتمعات السياسية التقليدية!!
مؤسسة الأسرة إذاً هي جزء من التركيبة السياسية للكويت!! وأي خلل أو طارئ يصيبها، سيؤدي حتماً إلى ضرر بالمجتمع السياسي بشكل عام!! وسينعكس سلباً على المعادلة الدستورية الشرعية التي قبلها وأقر بها المجتمع الكويتي بكل مؤسساته القائمة!!
استقالة النائب الأول وزير الخارجية، تحمل في طياتها ملامح قلق في مؤسسة الأسرة، وهو قلق يهدد تلك المعادلة السياسية، ويتطلب معالجة جذرية بعمق الخلاف الذي أدى إلى الاستقالة!! خاصة أنها ليست المرة الأولى التي يخرج فيها ذلك القلق السياسي في مؤسسة الأسرة الحاكمة إلى العيان!! كما أنها أيضاً ليست المرة الأولى التي يتم فيها علاج الخلاف معالجة سطحية لا تمس جذور الأزمة ومنابعها!!
وهو أمر قد دفع بالكثير، خاصة إثر الأزمة الأخيرة في مؤسسة الأسرة، للتذكير وبشدة بضرورة حسم بعض الخلافات والاختلافات المنهجية بين قطبي النزاع الأخير، والتي أصبحت أوضح وأبرز من أن تُخفى!!
ولعلَّ في ذلك الإصرار الشعبي على ضرورة حسم تلك الاختلافات، ما يؤكد التزام المواطن وتمسك مؤسسة الشعب بتلك المعادلة الشرعية الدستورية التي طالما ميزت المجتمع السياسي الكويتي!! وإذا كان الكويتيون بفئاتهم المختلفة وبانتماءاتهم المتفرقة قد أعلنوا إصرارهم على التمسك والإقرار بشرعية تلك المعادلة الدستورية خلال أزمة الغزو حين اجتماعهم في مؤتمرجدة!! فإن الهدف نفسه يدفعهم اليوم للإصرار على ضرورة التفاوض وحسن الاختلافات داخل إطار مؤسسة الأسرة حفاظاً على الجسم السياسي في هذا الوطن!!
إن أسباب الاختلاف بين قطبي الخلاف في الأزمة السياسية هذه، هي لا شك أعمق من مجرد نقض لقرارات مجلس الوزراء بإزالة التعديات على أملاك الدولة، أو إلغاء قرارات المجلس الأعلى للبترول من جدول أعمال مجلس الوزراء… وما هذه التداعيات سوى نتائج حتمية لاختلاف وخلاف هو أعمق وأبعد، خلاف جوهري يلقي بثقله على برامج وخطط التنمية، ويهدد استقرار الوطن!!
لقد نمت الكويت وازدهرت في ظل عقد اجتماعي، ونظام سياسي وفر الشرعية للشعب وللأسرة كمؤسسات سياسية تشكل ركائز المجتمع السياسي الكويتي!! والخلاف الأخير بين قطبين في مؤسسة الأسرة لا يمكن اعتباره خلافاً خاصاً، ولا هماً أسرياً بحتاً، بل هو هم وقلق يطال مؤسسة الشعب، ويُضعف كل مؤسسات الوطن الفاعلة!!
