الأرشيف

القطط السمان.. والفأر الثمين

[جريدة الطليعة 1/1/1997]

يُحكى أن شخصاً علَّم القطط أن تحمل له الشموع على مائدة الطعام فجاء أحد ضيوفه وهو يحمل في جيبه فأراً، ثم أطلقه على المائدة وسرعان ما انطلقت القطط وراءه ورمت بالشموع على المائدة لتحرقها وتحرق من كان يأكل منها.
ترمز تلك القصة إلى أن القرارات الشفهية والعاصية عن حكم الواقع، لا تصمد طويلاً، تماماً كتدريب القطط على حمل الشموع، حيث سرعان ما تنهار تلك القرارات، عندما تلوح في الأفق فرصة ثمينة لتجاوزها، تماماً كانطلاقة القطط التي رمت بالشموع راكضة وراء الفأر. ذلك هو حالنا في هذا الوطن مع قضايا الفساد والاختلاس، والعبث بالمال العام، شفهية دائماً، وسطحية لا تلامس الجوهر أبداً.
المستجدات التي أثارها تصريح رئيس مجلس إدارة ناقلات النفط الكويتية، السيد عبدالله الرومي هي لا شك مهمة وأساسية في قضية اختلاسات الناقلات، وليس في قضية الفساد بوجه عام. فالفساد قضية معقدة وشائكة، وسواء كانت اختلاسات الناقلات، أو سرقة الاستثمارات، فإنهما لا تتعديان كونهما فصولاً من ملف الفساد بوجه عام.
وسواء أعلنت العدالة حكمها في قضية الناقلات أو في سرقة الاستثمارات، أم حوصرت أدائها، فإن ذلك لا يجب أن يعني إغلاق ملف الفساد، بل وعلى العكس من ذلك تماماً، فقد آن الأوان لفتحه والغوص في جذوره لا في إفرازاته ونتائجه وحسب.
لقد أكدت لنا فضائح التجاوزات على المال العام، وما خرج منها من تفاصيل إلى العلن وإلى سمع المواطن أننا أمام أزمة إدارية أكثر مما هي أزمة أخلاقية، وأن تفرد المتجاوزين على المال العام، واحتكارهم للقرار وللإدارة قد دفع بتلك التجاوزات، وسهل مهمة منتهكي المال العام وحرمته.
فعلى الرغم من أن هنالك حقاً عاماً للوطن في الاقتصاص من هؤلاء المتجاوزين، إلا أن ذلك ليس بقضيته الأساسية!! فقضيتنا ليست مع “عبدالفتاح البدر” أو “علي الخليفة” أو من أعانهما، بل مع المنافذ التي عبروا منها نحو تحقيق تجاوزاتهم تلك!! القضية إذن ليست قضية القطط السمان، وكما جاء في قصتنا مع بداية حديثنا هذا، بل مع الفأر الثمين الذي سيبقى مهدداً لنظام المائدة وشموعها، ومتجاوزاً لكل محاولات التدريب والانتظام!!
لقد استغل منتهكو المال العام، تلك الثقوب في نظامنا الإداري، واستطاعوا تسخير تفردهم بالقرار والسلطة على رأس تلك المؤسسات المنهوبة لينفذوا منه محققين ما حققوا من نهب وسطو وسرقة.
وعقابهم لا يعدو كونه إجراء و”وعظاً” لن يطال جذور تلك المنافذ.
فعلى الرغم من كل الدوي الذي أحدثته قضايا التجاوزات على المال العام، وعلى الرغم من كل مظاهر الأسف والأسى التي ارتسمت على وجه المواطن، إلا أن تغييراً لم يطرأ بعد على أساليب الإدارة في مؤسساتنا وهيئاتنا الوطنية، فلا تزال القرارات الفردية هي المسيطرة.. ولا تزال الوجوه والملامح القيادية في قمة الهرم والقرار.
لقد أدرك “عمر بن الخطاب” G في صدر الإسلام مخاطر البقاء الطويل في المنصب، وانطلق من إدراكه للنفس البشرية ولطموحاتها اللامحدودة، ليصوغ قانوناً يحدد مدة بقاء أي من القادة المسلمين في الأمصار والمدن التي فتحتها جيوش الإسلام. وكان “عمر بن الخطاب” مصيباً في قراره ذاك، والذي أراد من ورائه أن يروّض طموحات بعض قادة الفتوحات، ممن حققوا عوائد وفوائد ومزايا شخصية من تلك الأمصار، وذلك من جراء بقائهم الطويل.. واستمرارهم في إدارتها طوال فترة “عثمان بن عفان” G.
قد لا يكون بحوزتنا اليوم، أشخاص بمثل حكمة “عمر بن الخطاب” ونزاهته، وبُعد نظره!
وإن كان باستطاعتنا أن نستلهم من حكمته ما يوفر علينا أموالاً طائلة، وضمائر أسقطها طموح بلا حدود في مستنقعات الخطيئة!!
لن يأتي عقاب “عبدالفتاح البدر” أو “علي الخليفة” بجديد، ولن يحل مأزقاً طالما بقي الفساد قضية أفراد، تنتهي بحكم العدالة، ويطوي ملفها نطق المحكمة.
الفساد لا شك قضية عامة، تنزوي تحتها كل الأطراف، هي قضية مجتمع بأفراده ودولة بأركانها السياسية، هي قضية نظام وانتظام للمجتمع وأعرافه، هي قضية احترام لمؤسسات الدولة وقوانينها، ومن هنا فإن قضيتنا مع الفساد ليست القطط السمان بل الفأر الثمين!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى