
يحتار الفرد منا، وهو ينصت إلى تصريحات المسؤولين في الدولة حول الإصلاحات المطلوبة، وطبيعة المعوقات أمام أي مشروع للنهوض بالاقتصاد أو بالتعليم أو بأيّ من قطاعات أو مؤسسات الدولة الأخرى.
سبب الحيرة هذه أن أحاديث وتصريحات وتكهنات المسؤولين لا تختلف عن أحاديث العامة من البعيدين عن القرار والتشريع. آخر تلك الأحاديث كان مع محمد سليمان سيد علي المستشار في مكتب سمو الأمير، والذي أجرته جريدة “القبس”، حيث أثار فيه من النقد والتذمر ما نثيره جميعنا في أحاديثنا اليومية.
السيد محمد سليمان سيد علي يعمل مستشاراً بمكتب سمو الأمير، وقد شغل سابقاً حقيبة وزارة التخطيط، كما أن له دوراً بارزاً في مجال الاقتصاد والمال، وبذلك فهو مخضرم ومتمرس في كلا السلطتين التشريعية، وأيضاً التنفيذية، مما يجعلنا نخشى ونخاف من تلك النبرة اليائسة من الإصلاح، والتي غلفت حروف كلماته ومعانيها.
لقد حوى الحديث بعضاً من التناقض المؤسف الذي قد يكون جاء بفعل ذلك اليأس المفرط، فبينما ينتقد المستشار قرار مجلس الوزراء الأخير بتشكيل لجنة بصلاحيات تنفيذية لمعالجة الوضع الاقتصادي، ويرى فيها مضيعة وقت، مؤكداً أن: “مشاكلنا معروفة، وحلولها كذلك، ولا داعي لتذكيركم كم لجنة شكلت في السابق، وكانت منوطة بجهات ذات نفوذ، ولم تستطع هذه اللجان عمل شيء”، نقول: بينما يؤيد هنا وزير التخطيط السابق منطق “السير على البركة”، نراه في موقع آخر من الحديث نفسه ينتقد سياسة إصلاح الاقتصاد الوطني لأنها تفتقد الخطة فيقول: “أنا أعتقد أنه آن الأوان للكويت أن تبدأ في وضع الخطط الخمسية أو العشرية وتنفذها، هذه قضية كانت مطروحة وتم نسيانها مما يدل على قلة الجدية في الطرح في الكويت، وهنا أنا ألوم حتى مجلس الأمة، فهناك تشريعات ملزمة لوزارة التخطيط التي هي جزء من السلطة التنفيذية بأن تصدر تقارير متابعة دورية عما أنجز في هذه الخطة وليس فقط وضعها”.
ثم يوجه السيد المستشار لومه لكلا السلطتين في إجابته عن سؤال حول مسؤولية ذلك الغياب في القرار الاقتصادي، حيث يقول: “إن المسؤول هو السلطتان: التنفيذية والتشريعية، وإذا لم تكن هناك مبادرة من السلطة التنفيذية فعلى السلطة التشريعية، والتي هي أيضاً تشتكي وتعاني وتتلمس هذا القصور، أن تبادر إلى تبني هذا الطرح”.
حديث السيد المستشار حوى تفاصيل كثيرة كلها تصب في خانة اللاحيلة، والنقد اليائس، مشيعة بذلك مناخاً مثقلاً بالهموم والحزن المتدثر بفقدان الطريق، الذي أصبح مخيماً على سماء الوطن ونفس المواطن، وهو حزن تضاعفه أحاديث مسؤولين في الدولة، كحديث مستشار سمو الامير، خاصة بعد أن تجمدت قدراتنا على الإصلاح والنهوض بمرافق الدولة عند صدمة الغزو الغاشم، وأصبح القرار غائباً أو مغيباً، والتدهور في مؤسسات الدولة المالية والصحية والتعليمية هائلاً ومفزعاً، وهو تدهور يختبئ زوراً وراء عجز الميزانية وشح الدخل.
نحن جميعاً كمواطنين ندرك حجم التبعات المالية المعلقة واستحقاقات حرب التحرير وما تلاها من اتفاقات أمنية وميزانية تسلح من طائرات ودبابات وغيرها، لكننا أيضاً وكمواطنين ندرك أن للقرار الصائب في الزمن المناسب مفعولاً لا يقل في أهميته وجدواه عن الميزانيات المتخمة والثقيلة.
إن جزءاً كبيراً من رفض المواطن للحزمة الاقتصادية وللرسوم وللضرائب يعود إلى إدراكه ويقينه بطبيعة الخلل، خاصة أن هنالك أموراً كثيرة لا ترتبط مباشرة بعجز الميزانية، ولا بعبء الباب الثاني، وإنما هي بانتظار القرار الجريء في الزمن الصحيح، وذلك قبل أن نجد أنفسنا خارج الزمن الضائع، بل وخارج كل الأزمنة، فالقرار والزمن صنوان متلازمان، إذا أصبحت بلا قرار فأنت كذلك بلا زمن!
