القرار رقم 106

القرار رقم 106
أثار ترامب بإعلانه تنفيذ القرار رقم 106 الذي اتخذه الكونغرس الأمريكي في عام 1995 الذي ينص على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، أثار موجة فزع وغضب شملت العالمين الإسلامي والعربي. القانون إذاً وافق عليه الكونغرس وبأغلبية ساحقة وصلت إلى 93 صوتاً مؤيداً مقابل 5 وقفت ضده، وحينها أعلن الرئيس كلينتون عدم تأييده للقانون، لكنه سيلتزم بتنفيذه.
لم نسمع حينها عن أي رفض أو شجب لصدور القانون 106 من أي حكومة عربية، وبقي القانون مجمداً لدى أكثر من رئيس أمريكي خوفاً من ردود الفعل ومن انعكاس هكذا قانون على عمليات السلام! إلى أن جاء ترامب مع كل سمات الاندفاع والتهور التي تتسم بها شخصيته ليعلن تنفيذ القانون!
خطورة تنفيذ مثل هذا القانون هي كونه يشكل فرصة لطرح مسألة التطبيع مع إسرائيل لتصبح مسألة تحتمها ظروف المرحلة كعادة السياسيين حين يبررون قراراً بهذا المنحنى والتوجه الحساس. فمسألة التطبيع مع إسرائيل هي في غاية الخطورة والحساسية، على الرغم من أن فكرة التطبيع قد عبرت بأكثر من محطة، منها على سبيل المثال خطاب الرئيس التونسي الراحل بورقيبة فى أريحا عام 1965 الذي عبر من خلاله عن التعايش السلمي مع إسرائيل، وهو الخطاب الذي لا يزال يثير جدلاً بين مؤيدي التطبيع من الذين يرون أن رفض خطاب أريحا كان غلطة كبيرة باعتبار أن العرب والفلسطينيين قد عادوا للقبول بأقل مما اقترحه الخطاب آنذاك، وبين معارضين للخطاب جملة وتفصيلاً!
أما المحاولة الأشهر للتطبيع فقد جاءت في اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 التي لا تزال غير قابلة للتطبيق ومرفوضة من قبل الأغلبية المصرية، ولا يزال المستتر فيها أكثر من المعلن، وبقيت معها اتفاقيات ثنائية بين البلدين في مجالات الزراعة والري والتعاون التقني وغيرها محل جدل وفشل في التطبيق!
لفت انتباهي عند زيارتي للشقيقة مصر منذ سنوات ثكنة عسكرية محاطة بالدبابات والأمن داخل وسط البلد وعندما سألت صديقاً مصرياً عن سبب مثل هذه التجهيزات الأمنية والعسكرية في منطقة كهذه، أجاب بأنها ليست ثكنة عسكرية، وإنما هي السفارة الإسرائيلية!
أن تحتاج السفارة إلى مثل هذه الاستعدادات شبه العسكرية وبعد أربعين عاماً من صفقة التطبيع يحمل مؤشراً على فشل المشروع!
اليوم ومع قرار ترامب الأخير، تعود مسألة التطبيع إلى صدارة الحدث والحوار، وعلى الرغم من إجابة التجربة المصرية مع التطبيع على كل الأسئلة حول إمكان واحتمال نجاح مثل هذا المشروع، فإننا اليوم نجد محاولات كثيرة لإعادة إحيائه في دول أخرى بخلاف مصر!
التطبيع لا يمكن أن يكون من الأعلى، فهو لا يتحقق بقرار سياسي، أو اتفاقية بين بلدين فرضتها ظروف أو تحالفات عسكرية مرحلية، وهو ليس علاقة بين الكبار فقط وأصحاب المصالح والمناقصات والمستثمرين، بل هو علاقة بين شعبين أولاً، وما لم يلامس التطبيع قاع المجتمع فإنه يبقى تقليداً دبلوماسياً متربعاً في القمة ومدلياً بقدميه إلى القاع! وسواء في تونس أو مصر أو غيرهما، فإن التطبيع على المستوى الشعبي قد فشل، ولعلنا لا نزال نتذكر حالة السخط الشعبي في تونس التي أثارتها حادثة غناء بعض المغنيين التونسيين في مدينة إيلات المحتلة!
وسواء نقل ترامب سفارته إلى القدس أم لم ينقلها، فإن العلاقة العربية الإسرائيلية تبقى علاقة عداء، طالما بقيت الحقوق مغتصبة، والانتهاكات الإنسانية مستمرة!
