
عندماً نبتعد عن الوطن، تتراءى لنا أخطاؤه بصورة مجهرية، قد يكون ذلك بسبب عامل المقارنة، وقد يكون التجرد حين البعد في رؤية وقياس الأمور سبباً وجيهاً في ذلك.
سؤال يراودني دائماً حين أخطو باتجاه مطار الكويت حول أسباب التدهور الذي يطول أبسط المرافق، كدورات المياه في المطار مثلاً، التي لا أتصور أن حالتها المزرية هي نتيجة مباشرة لخلاف الحكومة مع المجلس!
الكويت دولة صغيرة بموارد هائلة وبكثافة سكانية متواضعة جداً، والكويت دولة تحمل بين جنباتها كل مقومات النجاح والازدهار، وأيضاً الكويت دولة جاهزة للانطلاق بمؤسساتها وبدستورها وبمسيرتها السياسية والديمقراطية.
إذاً، كيف أصبحت أو تكاد تصبح دولة فاشلة؟!
ليس من العدل إلقاء جميع تبعات هذا الفشل على تردي العلاقة بين الحكومة من جهة والمجلس من جهة أخرى، فهنالك أمور كثيرة بالإمكان إصلاحها حتى في ظل العلاقة السيئة بين المجلس والحكومة، أقربها مثلاً دورات مياه المطار التي أشرت إليها مسبقاً.
قد يكون للفشل أسباب عديدة، لكنه في الحالة الكويتية يعود إلى سبب واحد ورئيسي تنزوي تحته سائر الأسباب، غياب الوعي الوطني لدى شرائح كثيرة في المجتمع أدى وبشكل مباشر إلى إدراجنا ضمن قائمة الدول الفاشلة، بعد أن كنا نتصدر ليس دول المنطقة وحسب وإنما العالم العربي بشكل أشمل.
الوعي الوطني النابع من الإحساس بالمسؤولية، وليس الوعي الوطني المفروض فرضاً ولا المعلّب في أغانٍ وأهازيج لا تحرك مشاعر ولا أحاسيس! الوعي الوطني الذي فرّغه من محتواه غياب الدولة وضعفها وتهميشها، بشكل جعل دولة صغيرة كالكويت تتفكك إلى أقليات وطوائف وملل، كلٌّ يبحث عن ملاذ يقيه حمم التفكك والاندثار!
إن العاصفة التي تجتاح كويتنا اليوم تتطلب مزيداً من الوعي الوطني للخروج منها بأقل ضرر، ولعل خير بداية تكون في مواجهة خطاب الفتنة الذي قسم هذا المجتمع الصغير عرقياً وطائفياً من خلال تهويل تهمة وخطر الولاء للخارج، وبشكل خلّف هلعاً وخوفاً غير مسبوقين لدى العامة من الناس.
إن الوعي الوطني الحقيقي ليس فقط في حمل السلاح ولا في الذود عن الأرض والشعب وحسب، فعلى الرغم من أهمية ذلك فإن الوعي الوطني يأتي كذلك في الحفاظ على تجانس المجتمع ووحدته، والامتناع عن كل ما من شأنه تقسيمه إلى طوائف وملل وقبائل وعشائر.
فالدفاع عن الوطن وحمايته من التشرذم والفتن لا يقلان أهمية عن الدفاع عنه بالجيوش والسلاح.
نحن في مأزق، ما من شك في ذلك، لكنه مأزق نتحمله جميعاً وليس المجلس والحكومة فقط، بيدنا جميعاً الوقوف في وجه ما مزق نسيجنا، وبيدنا فقط قرار إحياء روح الوعي الوطني والذود عن أمننا واستقرارنا الداخلي بدلاً من الهذيان من بعبع الخطر الخارجي.
