القبس تحاور القائم بأعمال أمين عام منظمة الدول المنتجة للنفط
أجرت الحوار: سعاد المعجل (فيينا)

شهاب الدين:
أوبك تواجه سلبية الرأي العام الغربي تجاهها
● تواضع زيادة الناتج القومي لدول الخليج سببه شدة ارتباط الدخل بالبترول
● مساهمة المنطقة في تطور الصناعة النفطية محدودة رغم امتلاكها ٪50 من الاحتياطيات
● تطوير الكوادر الوطنية وزيادة مساهمتها
● يجب أن يكونا الأساس خلال الاستعانة بالخبرات الأجنبية
● لا منافس قويا للنفط حتى عقدين مقبلين
● البرميل قد يصل إلى 80 دولارا خلال عامين.. لكن لفترة محدودة
حين يأتي الحديث عن البحث العلمي، يبرز اسم الدكتور عدنان شهاب الدين كعلم من أعلامه، فهو أشرف وحاضر في مجالات بحثية عدة بدءاً بعلوم الهندسة، وصولاً إلى المجالات التطبيقية في علوم الطاقة والبيئة. وامتد نشاطه من الجامعة ومراكز الأبحاث في الكويت ليصل إلى أوروبا، حيث عمل في المركز الأوروبي للأبحاث الذرية في جنيف، وإلى أمريكا، حيث عمل كعالم أبحاث زائر في مختبرات لورانس بيركلي في جامعة كاليفورنيا.
وكانت للدكتور عدنان جولات في مجالات الأبحاث والعلوم، فبين العامين 1991 و1999 عمل الدكتور عدنان شهاب الدين مديراً للمكتب الإقليمي للعلوم والتكنولوجيا التابع لمنطقة اليونيسكو وبين عامي 1999 و2001 عمل كمدير لدائرة أفريقيا وشرق آسيا، وفي وكالة الطاقة الذرية في العاصمة النمساوية فيينا، وذلك قبل أن يصبح مدير دائرة الأبحاث في منظمة الأوبك في أغسطس عام 2001. ومع بداية يناير 2005 أصبح الدكتور عدنان شهاب الدين قائماً بأعمال الأمين العام للمنظمة، بالإضافة إلى جانب الاستمرار بحمل أعباء إدارة البحوث في المنظمة.
قد لا نكون أوفينا الدكتور عدنان شهاب الدين، حقه بهذه النبذة المختصرة من تاريخه العلمي والعملي، لكنها تأتي كمقدمة مفيدة بعض الشيء لتمهد لهذا الحوار المتشعب.
د. عدنان شهاب الدين بدأ رحلته العملية من النفط في شركة البترول الوطنية الكويتية في عام 1965 وعاد إلى النفط في منصبه الجديد بعد رحلة تنقل في مجالات طاقة أخرى! كيف وجد الفرق بين العمل في وكالة الطاقة الذرية والأوبك؟
الرحلة من أول عمل لي مع شركة البترول الوطنية الكويتية مرت بمحطات عمل عدة منها الأكاديمي في جامعتي بيركلي (كاليفورنيا) والكويت ومعهد الكويت للأبحاث العلمية (76 – 86) إلى العمل مع المنظمات الدولية مثل اليونيسكو ووكالة الطاقة الذرية الدولية، وأخيراً الأوبك.
ولا شك أن لكل مؤسسة مزاياها ومتاعبها، والعمل الأكاديمي كان أكثرها متعة ومجالاً لتحقيق الذات، سواء في التدريس أو الأبحاث وإدارة المؤسسات العلمية والبحثية، وما زلت أذكر عملي في المعهد كواحد من أهم المحطات وأكثرها متعة، فقد كانت لنا رؤية بمستقبل باهر للعلم والتكنولوجيا في مستقبل الكويت والوطن العربي، حيث تضافرت جهود وأحلام المئات من العلماء والباحثين والفنيين الكويتيين وأقرانهم العرب وزملاء من الخارج.
أما المنظمات الدولية فأهدافها أشمل، ونطاقها أوسع، ومشاكلها أو متاعبها وهمومها أكثر بطبيعة الحال.
فاليونيسكو أكثر المنظمات الدولية نبلاً بأهدافها لكنها مثقلة بالبيروقراطية وبطء وتيرة العمل، أكثر منها في جميع المنظمات، ولقد أثر بها كثيراً انسحاب الولايات المتحدة منها لأكثر من عقدين، أما وكالة الطاقة الذرية فإنها المؤسسة العالمية التي تضم العدد الأكبر من أفضل الكفاءات العلمية العالمية، لكنها تبقى في الأساس منظمة ذات أهداف رقابية بالدرجة الأولى وفنية بالدرجة الثانية.
إلا أن أوبك تبقى المنظمة الأكثر تأثيراً، حيث إن قرارات مؤتمرها الوزاري المتعلقة بالسياسات البترولية للدول الأعضاء وعلى الأخص، قرارات المنظمة المتعلقة بحجم الإنتاج تؤثر بشكل قوي ومباشر في الاقتصاد العالمي. لذا، فإن العمل في إدارة البحوث في أوبك طوال السنوات الثلاث الماضية كان حقاً ممتعاً على الرغم من صعوبته وحساسيته، ناهيك عن ضغوط العمل الناجمة عن التوازنات السياسية الحرجة بين دول المنظمة من جهة وبين المنظمة وتجمعات ومنظمات الدول المستهلكة مثل وكالة الطاقة الدولية بباريس.
مكاسب أوبك
البترول مصدر دخل، ومصدر نفوذ سياسي، إلى أي مدى بتصورك استطاعت دول أوبك أن تحقق مكاسب في كلا المجالين؟
البترول أساساً مصدر للدخل وعنصر أساسي في اقتصادات دول أوبك. ومما لا شك فيه، إن التقدم والنمو الاقتصادي لأي دولة أو مجموعة من الدول يكسبها نفوذاً سياسياً أكبر، وكلما حققت دول أوبك نمواً اقتصادياً عالمياً، ارتفعت مكانتها – وبالتالي نفوذها – بين دول العالم. على أنه يجب التذكير هنا بأن منظمة أوبك ليست منظمة سياسية، إذ إن غرضها ينحصر في التنسيق في سياسات دولها المتعلقة بإنتاج وتصدير النفط، أي أنها منظمة للتنسيق في بعض جوانب الاقتصاد لدولها.
لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن قرارات أوبك، نظراً لأهميتها، ليس فقط على اقتصادات دولها، بل على اقتصادات العالم، تكتسب نتيجة لذلك أهمية ونفوذاً يمكن أن توظفه الدول الأعضاء لتحقيق مكاسب سياسية وإن كان ذلك بطريق غير مباشر.
وبتصوري إن أوبك قطعت في هذا المجال شوطاً طويلاً منذ إنشائها وخصوصاً منذ عام 1973. وفي الحقيقة فإن أوبك عملت ولسنوات طويلة على تأمين توازن الأسواق لمصلحة المستهلك والمنتج بما في ذلك الدول النامية، فليس من مصلحة أوبك أن تعمل في أسواق متقلبة ومتذبذبة، فاستقرار السوق النفطية هو من أهداف المنظمة، وهو أمر أكسبها مصداقية وأهمية ونفوذاً في عالم السياسة.
التوازنات
في بداية نشأتها، اتهمت الدول الصناعية منظمة أوبك بكونها “كارتيل” يضر بمصالح تلك الدول. كيف توازن دول أوبك بين تحقيق الفائدة من دخل النفط وبين عدم إثارة السخط الدولي جراء ارتفاع الأسعار؟
ما من شك في أن الدول الصناعية نجحت في السبعينيات والثمانينيات في تكوين رأي عام سلبي عالمياً عن أوبك بالرغم من أن المنظمة كانت تدافع عن حقوق دولها وتعمل جاهدة لتحقيق توازن عادل بين حقوقها ومصالحها المشروعة وبين احتياجات الدول المستهلكة الصناعية أو النامية.
وما من شك أيضاً في أن المنظمة أصبحت الآن بعد مرور أكثر من أربعين عاماً أكثر تجربة وخبرة تساعدها في اتخاذ القرارات الأمثل، وفي الوقت نفسه نجحت المنظمة في فتح قنوات الحوار الهادئ والمثابر مع باقي الدول المصدرة من جهة، والدول الصناعية والنامية المستهلكة من جهة أخرى. ولعل منتدى الطاقة العالمي الذي استهل اجتماعه الأول في باريس عام 1990 دليل على ذلك. وانتظم هذا الحوار العالمي بحيث انعقد المنتدى التاسع في امستردام 2004، وسينعقد المنتدى العاشر عام 2006 في الدوحة، علاوة على إنشاء السكرتارية الدائمة للمنتدى في الرياض، والمشاركة الفعالة للمنظمة على مختلف المستويات الفنية والسياسية في المؤتمرات ساعد على دفع الاتهامات الباطلة بعض الشيء. على أن الأهم من ذلك كله يكمن في الأفعال، فنتيجة لقرارات أوبك الحكيمة في رفع الإنتاج في الحالات الطارئة سواء الناجمة عن الحروب والنزاعات التي تشمل بعض الدول المنتجة (مثلما حدث عامي 1980 و1990)، أو لتلبية الزيادة المفاجئة في الطلب مثلما حدث عام 2003/2004. وكان لا بد للحكومات والمنظمات التي تمثل الدول المستهلكة أن تقر بالدور الإيجابي لأوبك، ومع ذلك، فما زالت أوبك ودولها مستهدفة بعض الشيء. وبالرغم من التصريحات الإيجابية من كبار المسؤولين بين الحين والآخر، نجد أن هناك تعميمات سلبية مستمرة خصوصاً على مستوى الصحافة والإذاعة. ولم تنجح أوبك حتى الآن في تجاوز سلبية الرأي في العالم الغربي خاصة تجاهها. وهذا يستدعي قيام حملة إعلامية مدروسة ومخطط لها بعناية وطويلة النفس.
ولعل الجانب المهم والحيوي الذي يجب أن تحرص عليه دول الأوبك هو الإبقاء على العلاقات الإيجابية والروابط الوثيقة مع الدول النامية، وأن تعمل جاهدة، سواء بقراراتها أو من حيث إعلامها، على استمرار حسن هذه العلاقات خاصة ان أكثر من 70٪ من الزيادة في الطلب على النفط في العقدين القادمين ستكون في هذه الدول، لذا علينا أن نبقى على الصورة الإيجابية لدول الأوبك في الدول النامية من خلال برامج استثمارية واقتصادية وإعلامية متكاملة مع التركيز دائماً على أن من أهداف الأوبك الرئيسية استقرار السوق النفطية، مع تأمين أسعار معقولة، وضمان عائدات نفطية ثابتة وعادلة لدول الأوبك، فليس من أهداف الأوبك الإضرار بمصالح الدول المستهلكة للطاقة النفطية.
الطاقة الذرية
هل يمكن أن تشكل الطاقة الذرية منافساً حقيقياً للنفط كطاقة في المستقبل القريب؟
الطاقة الذرية تستخدم أساساً في توليد الكهرباء وربما في تحلية المياه، وعلى نطاق أضيق كثيراً في توفير التدفئة المركزية للمدن، وهي حالياً لا تنافس النفط الذي يكاد يتركز استخدامه في تأمين الوقود لوسائل المواصلات.
وإذا علمنا أن الزيادة في الطلب على النفط في العقدين القادمين ستكون أساساً في قطاع المواصلات (في الدول النامية على وجه الخصوص) يتبين لنا أن الطاقة الذرية لا تشكل منافساً ملموساً للنفط في المدى القريب والمتوسط.
إلا أنه يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الطاقة النووية والطاقات المتجددة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، يمكن أن تشكلا منافساً حقيقياً للنفط على المدى البعيد حين يتم استخدامهما بنجاح في توليد الهيدروجين واستخدامهما كوقود وسيط في قطاع المواصلات بهدف التخلص من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون الناجم عن حرق الوقود الاحفوري (مثل النفط)، إلا أن النفط يمكن أن يتغلب على هذه المنافسة إذا ما تم تطوير تقنيات عزل ثاني أوكسيد الكربون وحبسه (تخزينه) في مكامن النفط والغاز بهدف الإقلال أو منع انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون التي يمكن أن تكون ذات تأثير في المتغيرات المناخية (وإن كان الدليل العلمي القاطع غير متوافر لكن هناك مؤشرات أولية تدعم هذا الاستنتاج)، ويتعين لذلك في تقديري على الدول المصدرة للنفط والتي تمتلك احتياطات نفطية مؤكدة كبيرة مثل الكويت ودول الخليج أن تبادر إلى الولوج والمشاركة في أبحاث وتطوير تقنيات حبس ثاني أوكسيد الكربون، وعلى الأخص تقنيات حبسه في مكامن النفط والغاز الناضبة، حيث يمكن لهذه التقنيات أن تحقق منفعتين في آنٍ واحد؛ تقليل انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، وزيادة كمية النفط المستخرجة من المكامن النفطية.
الإنتاج السعودي
مع تدشين مشروع القطيف الضخم، سيصل حجم صادرات البترول السعودي إلى مرحلة غير مسبوقة وقياسية. كيف سينعكس هذا على أسعار النفط مستقبلاً؟
يصل إنتاج السعودية من النفط الخام حالياً إلى 9 ملايين برميل يومياً. وكان قد ارتفع في خريف 2004 إلى 5.9 ملايين برميل، فيما تصل سعتها الإنتاجية إلى 5.10 ملايين برميل يومياً. كما أن السعودية أكدت مراراً التزامها بالمحافظة على سعة إنتاج إضافية بمعدل مليوني برميل يومياً لاستخدامها عند الحاجة.
ومما لا شك فيه، إن تدشين مشروع القطيف سيدفع السعة الإنتاجية إلى أكثر من 11 مليون برميل بترول يومياً، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن صادرات البترول السعودية سترتفع آلياً إلى هذا الرقم، حيث تحرص المملكة العربية السعودية، وغيرها من دول الأوبك، على أن تحتفظ بسعة إنتاجية أعلى من متوسط إنتاجها اليومي، بحيث تتوفر لها سعة إنتاجية فائضة أو احتياطي يمكن أن يفعل إن استدعت الحاجة مثلما حدث إبان الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات وغزو العراق للكويت عام 1990 وحرب العراق عام 2003، وبشكل عام تسعى دول الأوبك إلى أن يكون لديها سعة إنتاجية احتياطية أو فائضة بحدود ٪10 من إنتاجها.
زيادة متواضعة
خلال ثلاثين عاماً زاد الناتج القومي لدول الخليج بنسبة ٪20 ألا تتصور إنها زيادة متواضعة مقارنة بالدخول الضخمة للنفط؟
بالتأكيد. فهي زيادة متواضعة بالنسبة لفترة القياس، إلا أن المؤشر الأفضل هو معدل الزيادة السنوية في الدخل القومي الحقيقي خلال فترة زمنية معينة. وبالنسبة لدول الأوبك عامة ودول الخليج خاصة، فإن متوسط هذا المعدل يعتمد على فترة القياس نظرا للتقلبات الحادة في الموارد المالية من صادرات النفط التي مازالت تشكل العمود الفقري للدخل القومي. فلو أخذنا الأساس عام 1973، أي قبل ارتفاع أسعار النفط، نجد أن متوسط هذا المعدل حوالي ٪5.3. أما لو أخذنا فترة أقصر، مثلا فترة العشرين سنة الأخيرة، فإن الزيادة كانت أقل لأنه في سنة 1982 كانت هناك طفرة في الدخل وكانت مقصورة على سنوات قليلة. فالأفضل إذن أن نذكر ما معدل الزيادة الحقيقية في الدخل القومي سنوياً خلال فترة زمنية محددة. فلو كانت مثلا أعلى من ٪3 أو ٪4 سنوياً تعتبر جيدة خصوصاً بالنسبة للدول النامية. وإذا كانت أقل من ٪3 على فترة طويلة فمعنى ذلك أن الزيادة غير جيدة!
لا شك أن الدخل القومي للدول الخليجية إذا قيس على فترة عشرين أو ثلاثين سنة، فإن متوسط الزيادة السنوية، بعد أن نسقط التضخم، لم يكن مرتفعاً، إذ كان أعلى من مستوى زيادة عدد السكان بشيء بسيط وأن معدل الزيادة في الدخل الحقيقي للفرد كان محدوداً جداً. فالزيادة في عدد السكان في معظم الدول الخليجية أكثر من ٪2 سنوياً، وهذا يشمل المواليد بالإضافة إلى عمليات التجنيس، فيفترض أن تكون الزيادة في الدخل القومي أعلى من نسبة الزيادة في عدد السكان حتى يكون هنالك ثراء حقيقي، فإن كانت تعادل نسبة الزيادة في السكان، فذلك يعني أننا حافظنا على المستوى فقط.
ولكي تحقق دول الخليج زيادة في الدخل القومي، يجب أن يكون الفارق بين هذه الزيادة وزيادة عدد السكان ملموساً، كأن يرتفع الدخل القومي مثلاً إلى ٪5 أو ٪6 سنوياً مقارنة بزيادة سنوية للسكان من ٪2 – ٪3. وفي الواقع إنه خلال الثلاثين سنة الماضية، فإن الزيادة الحقيقية في متوسط دخل الفرد لم تتجاوز ٪1، أما إذا كان القياس منذ عام 1980، فإن الزيادة صفر تقريباً.
والخلاصة أن الملاحظة، أي تواضع الزيادة في الناتج القومي، بشكل عام صحيحة، وسببها يعود إلى الاعتماد الأساسي على دخل النفط، خاصة في أثناء الطفرة الكبيرة في أسعار النفط، أعقبها انخفاض في منتصف الثمانينيات، ثم في التسعينيات، كان هنالك انحسار في الدخل القومي نتيجة لتراجع أسعار النفط وحجم التصدير. لذلك فإن المطلوب أن لا يرتبط دخل الفرد وبشكل أساسي بدخل أو ريع تصدير النفط الخام.
دون الطموحات
بعد ما يقارب من 65 عاماً على ظهور النفط في منطقة الخليج بالتحديد، لا تزال هذه الدول تفتقد الخبرات الوطنية في تقنيات النفط ولا تزال تستعين بخبرات أجنبية لمعالجة وصيانة حقولها. ما هو تعليقك على ذلك؟
ما من شك في أن إنجازات الصناعة النفطية الوطنية في دول الخليج هي دون الطموحات ودون ما كان ممكناً. فكما أشرت سابقاً، تمتلك دول الخليج (مجلس التعاون الخليجي) أكثر من ٪50 (وأكثر من ٪70 إن أضفنا العراق وإيران) من احتياطيات النفط المؤكدة، ومضى على إنتاج وتصدير النفط والصناعة النفطية في المنطقة أكثر من خمسين عاماً في المتوسط، وستزداد أهمية المنطقة من حيث حصة إنتاج الخليج عالمياً في العقود القادمة. ومع ذلك فإن مساهمتنا في تطور الصناعة النفطية بشكل عام محدودة.
ومع التسليم بالتطور الكبير الذي حققته بعض الشركات الوطنية في مجال عمليات الاستكشاف والإنتاج والتكرير، إلا أن حجم مساهمتنا في تطوير تقنيات الصناعة النفطية ما زال هامشياً، لذا لابد للصناعة النفطية أن تعدل من استراتيجياتها وتعمل على زيادة الإنفاق على البحث والتطوير من خلال المؤسسات الوطنية (الجامعات والبحوث) ومراكز البحث المتخصصة (لشركات النفط الوطنية) مع تفعيل الشراكات مع مراكز البحث والتطوير العالمية لتقنيات صناعة النفط، وإنني أدعو الدول الخليجية والشركات الوطنية إلى النظر من جديد في وضع وتنفيذ خطط استراتيجية طموحة لزيادة دورها في تطوير تقنيات النفط والوقود النظيف ومضاعفة دعمها للبحث والتطوير (تنفق الشركات العالمية أكثر من ٪5 من إجمالي دخلها وأحياناً ٪10 على البحث والتطوير).
المشاركة الأجنبية
بصفتك القائم بأعمال الأمين العام لمنظمة أوبك، ولكونك كويتياً، ما رأيك في مشاركة الشركات الأجنبية في القطاع النفطي في الكويت؟
ما من شك في أن الشركات النفطية العالمية لديها الكثير من المزايا التي يمكن أن تقدمها لدفع الصناعة النفطية إلى الأمام من حيث التكنولوجيا أو الإدارة المتخصصة، وبالتالي فإن السبيل الأمثل لتحقيق مصالحنا هو أن ندرس وبعناية نواحي النقص في الصناعة النفطية الكويتية وهي مقدمة على مشاريعها التوسعية أو في سبيل المحافظة على تنافسيتها عالمياً من حيث كلفة الإنتاج والاستبدال والتوسع، آخذين بعين الاعتبار طبيعة المكامن النفطية الكويتية ونوعية النفوط وحجم الاحتياطي المؤكد والمحتمل من أجل تحديد ما يمكن أن تقدمه الشركات النفطية العالمية وما هو الإطار التجاري والقانوني الأمثل للعلاقة التعاقدية بين الطرف الكويتي والأجنبي مع المحافظة على ملكية الدولة للمخزون النفطي وسياسات الإنتاج بما يؤمن مصلحة الدولة والمناطق والشركات الوطنية من جهة والشركات الأجنبية من جهة أخرى، بالتأكيد فإنه من الممكن أن يكون هناك أكثر من إطار يمكن أن يحقق ما سبق.. على أننا في سعينا هذا ينبغي أن نؤمن دوماً مزيداً من التطوير والمساهمة للكوادر الوطنية والقطاع الخاص الكويتي، ولابد أن يكون هدفنا هو أن تصبح الشركات الوطنية الكويتية (بما في ذلك مساهمة القطاع الخاص) والخليجية هي الرائدة في مستقبل الصناعة النفطية عالمياً.
موقع الغاز
مع مطلع 1965 بدأ الغاز في منافسة النفط كمصدر للطاقة. وبين 1980 و2003 زاد الطلب العالمي للغاز الطبيعي بأكثر من ثلاثة أضعاف الزيادة في الطلب على البترول. هل يمكن أن يهدد ذلك مستقبل النفط كطاقة.. أو يتحكم في أسعاره كسلعة؟
بداية أود أن أذكر أن حصة الدول الأعضاء في الأوبك من الغاز الطبيعي تعادل تقريباً نصف احتياطي الغاز العالمي. ومن المتوقع أن يتضاعف الطلب على الغاز في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين ليصل إلى ما يعادل 95 مليون برميل يومياً من النفط مع حلول عام 2025.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن استقرار أسواق النفط مهم جداً للغاز، حيث تتداخل أسعار النفط مع أسعار الغاز بهذا الصدد من خلال علاقة وثيقة.
ويشكل الغاز حالياً ٪23 من استهلاك الطاقة العالمي، بالإضافة إلى كونه مفضلاً بيئياً، كما أن تكاليف إنتاج الغاز قد انخفضت وإن كان لايزال يعاني من ارتفاع في تكلفة نقله وتصديره. وسيزداد استهلاكه حوالي ٪3 سنوياً لتصل نسبة مساهمته إلى حوالي ٪30 من إجمالي استهلاك الطاقة العالمي.
ويمكنني القول هنا أن الغاز لن يشكل منافساً للنفط في قطاع المواصلات في العقدين القادمين، إلا أن نجاح تكنولوجيا خلايا الوقود كمحرك للسيارات يمكن أن يجعل من الغاز (من خلال إنتاج الهيدروجين المستخدم كوقود لخلايا الوقود) منافساً محتملاً للنفط بعد عام 2025 على أن ذلك ليس حتمياً والأكثر احتمالاً هو أنه في حال نجاح تكنولوجيا خلايا الوقود فنياً واقتصادياً، فإن إنتاج الهيدروجين كوقود لها سيتأمن من عدة مصادر، وسيكون النفط والغاز وربما الفحم في المرحلة الأولى المصدر الأقل تكلفة، إن صاحب ذلك حبس وتخزين ثاني أكسيد الكربون. لذا، فإنني أدعو دوما الدول المصدرة للبترول والغاز إلى أن تزيد من اهتمامها في دراسة وتطوير تقنيات حبس ثاني أكسيد الكربون وتخزينه في مكامن النفط والغاز تحسباً لتطورات مفاجئة مستقبلاً.
أسعار النفط
هنالك توقعات أن يصل سعر البرميل في العامين القادمين إلى 80 دولاراً ما مدى إمكانية ذلك؟ وكيف ستتعامل الدول المستهلكة مع مثل هذا السعر؟
من الصعب التنبؤ بما سيكون عليه سعر برميل البترول هذا العام أو العام المقبل، لأن ذلك يعني أن نعرف كل شيء عن تطور العوامل المؤثرة في الطلب والعرض، ليس فقط العوامل الأساسية ولكن العوامل الجيوسياسية والعوامل السياسية، أيضاً لكني أستطيع أن أؤكد أن احتمال ارتفاع سعر برميل النفط الخام إلى 80 دولاراً في المستقبل القريب احتمال منخفض.
على أنه لا يمكنني استبعاد ارتفاع سعر البرميل إلى 80 دولاراً خلال العامين المقبلين، لكن إذا ارتفع سعر البرميل إلى هذا المستوى لسبب أو لآخر (مثلاً انقطاع الإمدادات من دولة منتجة 1-2 مليون برميل يومياً)، فإنه ليس من المتوقع أن يستمر هذا الارتفاع طويلاً، حيث إن ارتفاع الأسعار إلى 50 أو 60 دولاراً فقط، إن استمر لفترة عامين أو أكثر، سيزيد حتماً من الاستثمارات في توسعة الإمدادات من جهة وسيحد بعض الشيء من الطلب مما سينجم عنه حتماً بعض الانخفاض في الأسعار، هذا قانون أساسي في الاقتصاد.
إن مصلحة الأوبك وباقي دول العالم أن لا تكون هناك طفرات كبيرة أو مفاجئة في مستويات الأسعار، بل أن يكون هناك تدرج متوازن، وواضح أن هناك بعض التغيرات الهيكلية قد حدثت في أسواق النفط عام 2004 دفعت الأسعار إلى الارتفاع، أهمها تسارع الزيادة في الطلب على النفط في الصين وآسيا، حيث أصبحت تمثل ثلثي الزيادة السنوية تقريباً، وتباطؤ الزيادة في إنتاج النفط من الدول المصدرة من خارج الأوبك، وهذا ما حدا بالأوبك إلى تعليق نطاق أسعار سلة أوبك مؤقتاً لحين الانتهاء من دراسة التغيرات الهيكلية في الأشهر القادمة، وتحديد نطاق جديد للأسعار.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن المستهلك في الكثير من الدول الصناعية يدفع حالياً مبالغ تفوق كثيراً الـ 80 دولاراً للبرميل لمنتجات بترولية مثل البنزين، حيث يصل سعره في بعض الدول الأوروبية إلى أكثر من 200 يورو للبرميل، ويبقى هذا السعر رهن التفاوت الضريبي خاصة بين الولايات المتحدة وكندا من جهة، وبين بعض الدول الأوروبية من جهة أخرى، وهي التي ترتفع فيها نسبة الضريبة على المنتجات البترولية إلى حوالي ٪80.
خلاف وجهات النظر مستمر بشأن أمين عام أوبك
أكد الدكتور عدنان شهاب الدين أن أوبك تملك آليات واضحة لتعيين الأمين العام، ولكنه قال إن هناك اختلافاً في وجهات النظر حال حتى الآن دون توافق الآراء بشأن أحد المرشحين الذي ينبغي أن يحوز على الإجماع. ولقد استحدثت مؤخراً آلية عمل للتعامل مع مثل هذه الظروف تسند فيها مسؤوليات الأمين العام إلى رئيس المؤتمر الوزاري الذي يقوم بدوره باختيار أمين عام بالوكالة. و”نأمل ـ لمصلحة الأوبك ـ أن تزول هذه العقبات في أسرع وقت حتى يستطيع الأمين العام أن يلعب دوره في قيادة سكرتارية المنظمة على أكمل وجه”.
أولويات القائم بالأعمال
حدد الدكتور عدنان شهاب الدين أولوياته في ما يتعلق بأوبك إدارياً واستراتيجياً (من موقعه كقائم بأعمال الأمين العام)، حيث قال:
إدارياً، سأعمل جهدي على المحافظة على كفاءة وفاعلية عملي في هذا العام الذي اضطلع فيه بمسؤولية الأمين العام بالوكالة بتكليف من الشيخ أحمد الفهد وزير الطاقة الكويتي ورئيس المؤتمر الوزاري للأوبك، من دون الإخلال بمسؤوليتي كمدير لإدارة الأبحاث التي مازلت أعتبرها عملي الأساسي.
ومن أولويات العمل المكلف بها هذا العام التحضير لانطلاقة حوار الأوبك والاتحاد الأوروبي والمقرر أن ينعقد بدورتين هذا العام. أما استراتيجياً، فإننا نأمل الانتهاء من الدراسات الخاصة بوضع الاستراتيجية البعيدة المدى للأوبك، كما سأوجه جهداً خاصاً لدعم التعاون بين معاهد الأبحاث المختصة بالبترول والطاقة في الدول الأعضاء وعلى الأخص لزيادة الاهتمام بتطوير تقنيات النفط النظيف (أو الأنظف)، وكذلك تقنيات حبس ثاني أوكسيد الكربون وتخزينه في المكامن النفطية والغازية الناضبة… وأخيراً، لابد لدول الأوبك أن تلعب دوراً أكبر في تطوير تقنيات الصناعة النفطية بما يتناسب مع حجم احتياطاتها وحصة إنتاجها عالمياً في القرن الواحد والعشرين.
الدولار.. سيبقى عملة النفط
قال شهاب الدين رداً على سؤال حول تسعير النفط بالدولار:
أسواق النفط الفورية العالمية (نيويورك – لندن – سنغافورة)، حيث تتداول العقود الفورية والآجلة لشراء وبيع بعض النفوط مثل WTI وبرنت يجري التعامل فيها بالدولار، وتحدد الأسعار الفورية والآجلة في هذه الأسواق أسعار العقود الطويلة المدى (مثل عقود بيع نفوط الأوبك)، لذا، من المنطقي أن تكون هذه العقود بالدولار كذلك – لكن ليس هنالك ما يمنع أن تكون هذه العقود بعملات أخرى إن رغبت تلك الدول بذلك ـ أو أن تحصل المبالغ المستحقة عن هذه العقود بعملة أخرى وفقاً لشروط يتم الاتفاق عليها، وحيث إن هذه البدائل لا تغير في تقديري جوهر الأمور كثيراً، فإن السائد أن تكون العقود الطويلة الأمد المؤسسة على أسعار الأسواق الفورية والآجلة كذلك بالدولار.
البيروقراطية؟.. أمر طبيعي
رداً على سؤال بشأن ما إذا كانت دول الأوبك نقلت بيروقراطيتها إلى داخل أروقة المنظمة، قال شهاب الدين: كل المنظمات الدولية (سبق وأن عملت مع اليونسكو والوكالة الدولية للطاقة الذرية من قبل عملي مع الأوبك)، هي مؤسسات للعمل الحكومي المشترك. وبالتالي لابد أن تنعكس بعض أساليب العمل الحكومي وروتينه في كل من الدول الأعضاء بعض الشيء على العمل المشترك، هذا من طبيعة الأشياء، ولا ننسى أن منظمة الأوبك هي منظمة من 11 عضواً هي جميعاً بلدان نامية، بينما منظمات الأمم المتحدة عضويتها أشمل وتجمع الدول الصناعية والنامية. هناك محاسن أن الأوبك منظمة لأحد عشر بلداً فقط (توافق الآراء بين 11 بلداً في الكثير من الأحيان أسهل من توافق الآراء بين أكثر من مئة بلد). وهنالك مثالب كونها جميعاً دولا نامية مازالت الكثير منها تنقصها الخبرة الطويلة في العمل ما بين الحكومات.
قصور واضح
سألنا الدكتور شهاب الدين: من خلال عملك كمساعد عميد للشؤون الأكاديمية في جامعة الكويت، هل ترى أن الدول النفطية قد نجحت في إدراج البترول وصناعته في مقرراتها التعليمية خاصة على مستوى التعليم العالي؟
فأجاب: على الرغم من الإنجازات الواضحة والمتمثلة بالكوادر العلمية المؤهلة التي تتخرج سنوياً من كليات الهندسة والبترول والعلوم في جامعات الخليج وفي الكويت والتي تنخرط في الصناعة النفطية، إلا أنني أعتقد أن هناك قصوراً واضحاً في الدول المصدرة للنفط وعلى الأخص تلك التي تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة مثل الكويت. ويتمثل هذا القصور بالمساهمة المتواضعة في تطور الصناعة النفطية العالمية وعلى الأخص في تطوير التقنيات الحديثة. إذ على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على نشوء الصناعة النفطية في دول الخليج، ورغم أن هذه الصناعة تشكل العمود الفقري لاقتصادات دولنا، كما أن الصادرات النفطية تلعب دوراً مهماً في دوران عملية الاقتصاد العالمي وازدهاره، وستبقى كذلك بل ستكتسب أهمية عالمية أكبر في العقود القادمة، فإن مساهمتنا مازالت تقتصر على استخدام التقنية وليس توليدها وتطويرها، على الرغم من الجهود الحثيثة في الشركات الوطنية ومعاهد الأبحاث.
وما زلت أرى أنه لابد أن تكون هناك قفزة كبيرة في مخرجات التعليم العالي كمّاً ونوعاً، وعلى الأخص المجالات الفنية والعلمية والاقتصادية بما فيها تقنيات واقتصادات البترول والطاقة.



