الفيلسوف الحزين

الفيلسوف الحزين
لا جدال في أن الفلسفة هي أم العلوم، فكل ما مر ويمر على الإنسان من مكتسبات وفُرَص وفّرها العلم وأتاحتها التكنولوجيا والمعرفة بدأت من فكرة، وأغلب الفِكر خرج من رَحِم الفلسفة، وعلى الرغم من الهجوم عبر التاريخ على الفلسفة بكونها علماً فارغاً، وتنظيراً لا يتجاوز في بُعده المنفعي خانة الفكرة أو النظرية، فإنها كعلم استطاعت أن ترسَخ في ضمير ووعي البشر وتستمر بهالتها المُبجّلة وحضورها الفخم على الرغم من كل الجدل المستمر حول أحقّيتها في ذلك أو في استحقاقها لأن تكون أماً للعلوم.
يقال إن العلم قد قتل الفلسفة، وذلك منذ انفصال العلوم عنها في القرن السابع عشر، حيث انفصَلَت الفيزياء أولاً ثم تبعتها باقي أقسام العلوم، لكن حتى مثل هذا الاستنتاج بقي جدلياً، وإذا كنا اليوم خاصة في ظل ثورة التكنولوجيا نرى من يقول بعدم الحاجة إلى الفلسفة وبأنها قد أدّت وظيفتها في حِقَب سابقة، ولم تعد هنالك حاجة لاسترجاعها الآن، فإنه في المقابل قد ظهر من صُلب العلماء من يدافع عن الفلسفة كعلم ضروري وحاسِم في معركة الإنسان العلمية للوصول إلى الحقائق، خاصة ما خرج منها عن نطاق الأرض وتسلّق الكون والمجرات والكواكب، فهؤلاء المدافعون يرون مثلاً أن منطق أرسطو وفلسفته هما أساس علم الحاسوب اليوم، الذي مكّننا من استخدام الهواتف وأجهزة الكمبيوتر، كما سبق أن أكّد آينشتاين في مذكراته أن الكتابات الفلسفية ل دييد هيوم قد دفعته إلى نمط من التفكير الناقد المطلوب لاكتشاف “النسبية”.
بمعنى آخر نحن اليوم وبالتحديد في العقد الأخير قد عدنا إلى مثل هذا الجدل، خاصة في ظل اعتداد بعض العلماء مثل “ستيفن هاوكنز” بدَور الفلسفة في سَرد وتَتَبّع الحقائق بما في ذلك الكونية منها، فهو وغيره يرون أن العلم قد قدّم حقائق وبراهين مباشرة، لكن كان للفلسفة دور مهم في توصّل العلم إلى تلك النتائج.
الفلسفة كمفردة لغوية جاءت من الإغريقية، وتعني حرفياً “حب الحكمة”، والحكمة بلا شك هي من قِيَم التفكير العليا، وهي مُطلَقة وغير محدّدة بعكس العلم المرتبط بمعادلات وأرقام وثوابت محسوسة وملموسة، ولعل من قلب تلك المنزلة والتميّز، جاء لقب الفلسفة كأم للعلوم.
وعلى الرغم من أن الفلسفة قد جابت كل مناحي الحياة فتناولت المعرفة والوجود والقيَم والعقل، والجمال، والخير، والحق فإن أقربها إلى العامة كان ولا يزال الجانب المتعلّق بالوجود، وبحدود المعرفة وصلاحيتها، لذلك أصبح لكل عقيدة فلسفتها الخاصة، فهنالك الفلسفة الإسلامية والفلسفة الهندية والبوذية وفلسفة الأمريكيين الأصليين وغيرها، وأصبحت الفلسفة الملجأ الوحيد أحياناً لتعريف أمور ميتافيزيقية كالكينونة والوجود، والوعي واللاوعي وغير ذلك من قضايا لم يُدركها العلم بشكل فعلي بعد.
يلجأ كثير من الناس إلى الفلسفة للبحث عن معايير قضايا مُطلَقة كالسعادة والحب والشقاء والجمال، من أفلاطون إلى أرسطو ومن ابن سينا إلى غيره من الفلاسفة المسلمين، لكن يبقى “شوبنهاور” كأبرز الفلاسفة الذين تناولوا مسألة السعادة والشقاء بشكل مكثّف، فقد كانت له شخصية شقيّة خائفة ومذعورة حتى إن البعض لقّبه بالفيلسوف الحزين، فقد وضع “شوبنهاور” 50 قاعدة للحياة، يتناول فيها الطرق التي تجعل الحياة أقل قسوة، وقد كان يؤمن بأن السعادة المُطلَقة هي أمر وهمي، وأن الطريق لحياة معقولة هو من خلال المحاولة باستبعاد المعاناة قدر الإمكان، من خلال الامتناع عن إيذاء النفس وإيذاء الغير، بينما يستند مفهوم السعادة في الفلسفة البوذية إلى تجاوز السعادة المرتبطة بالمادة وبالمحيط الاجتماعي لكونها لا تدوم، ولكون السعادة حالة ذهنية وغير مرتبطة بالحواس وبالجسد، فإن البوذية ترى أن السعادة في الاستنارة والتجرّد دون الاعتماد على أمور محسوسة، أو مرتبطة بالزمان والمكان.
وتبقى الفلسفة أمّاً وحاضنة ومحفّزة للعلوم، وهو ما دفع “اليونيسكو” في عام 2002 لاعتماد يوم عالمي للفلسفة يسعى إلى تحفيز التحليل والبحوث المعرفية وتوعية العالم لأهمية الفلسفة، خاصة في ظل التحديات التي تطرحها الحفية البشرية الحديثة، وهو ما حدث في احتفالية اليونيسكو الأخيرة بيوم الفلسفة 2020، حيث دعا المؤتمر العالم بأسره للتأمّل في معنى جائحة الكورونا، مما يؤكد أن العالم وبالرغم من تدفّق العلوم لا يزال بحاجة وربما أكثر من أي وقت مضى، إلى التأمل الفلسفي لفهم محيطه واستيعابه.


