
قيل ويقال الكثير عن تردي مستوى التعليم في هذا الوطن.. وطرحت العديد من الخطط والمشاريع للنهوض بالمسيرة التعليمية.. منها ما طرح للتطبيق.. ومنها ما توارى خلف بيروقراطية اللجان.. واللجان الفرعية.. وبطء المشاريع التنفيذية.. وحين بدأ الوطن خطاه نحو مزيد من التأكيد والحرص على العلم.. وذلك بإنشاء جامعة الكويت.. تفاءل الكثير خيراً.. وخاصة من كان حريصاً على استمرار طلب العلم.. وأصبح التعليم الجامعي مرحلة أساسية يحرص الفرد على بلوغها.
لقد واجهت وتواجه جامعة الكويت الكثير من النقد.. سواء كان نقداً موجهاً إلى أساليبها التعليمية غير المتجددة.. ومناهجها التقليدية.. أو نقداً لمبانيها المؤقتة.. وإدارتها غير المتعاونة.
واجهت جامعة الكويت الكثير من النقد.. إلا أن ما يلوح الآن في سماء الوطن.. هو نقد قد لا يمس جوهر المبنى أو المنهج.. إلا أنه يمس جزءاً يفوق ذلك بكثير من الجسم الجامعي.. فهو نقد يمس ما قد يصعب بمكان ترميمه.. وإصلاحه.. فقد أثارت بعض الصحف مؤخراً قضية هي في غاية الخطورة.. قضية تدخل أحد أعضاء هيئة التدريس في كلية الآداب.. من أجل تغيير درجة طالب.. من تقدير (راسب) إلى تقدير (جيد).. ولعل أكثر ما يثير في هذه القضية.. كون عملية تغيير الدرجة.. أو بمعنى آخر.. عملية (التزوير).. قد تمت (بفضل) أحد أعضاء هيئة التدريس.. ممن يشغل منصباً هاماً في كلية الآداب.. كما أثبتت الكشوف.. ودرجات الطالب.. أن عضو الهيئة التدريسية قد مارس مساعداته تلك أكثر من مرة.. وحيث مكن الطالب من الحصول على استثناء من لجنة الشؤون الطلابية لعدة مرات.. في الوقت الذي تم ويتم فيه حرمان طلبة كثيرين من الاستمرار في الدراسة بعد الإنذار الثالث.
وللعلم فقط.. فإن قانون الإنذارات المعمول به في جامعة الكويت.. يعتبر الطالب موقوفاً عن متابعة دراسته بعد الإنذار الثالث.. حيث يتم استدعاؤه من قبل عمادة شؤون الطلبة.. لتقديم التماس يبرر فيه أسباب حصوله على الإنذار النهائي.. ثم يتم تقديم الالتماس إلى “لجنة الشؤون الطلابية” والتي تتألف من كل من “مساعد العميد للشؤون الطلابية” و”عميد القبول والتسجيل” و”عميد شؤون الطلبة” حيث يوجد لكل كلية عميدها الخاص بشؤون الطلبة.. و”لجنة الشؤون الطلابية” هي اللجنة المخولة بالنظر في التماس الطالب.
الأحاديث التي تتناول تردي مستوى الجامعة الأكاديمي كثيرة.. و(الإشاعات) زادت في الآونة الأخيرة.. عن مستوى الجامعة أكاديمياً.. وعن حقيقة تلقيها فعلياً لعدة إنذارات قد تطيح بحقها كجامعة معترف بها وبأدائها.. وذلك بالطبع يعني لنا الكثير كمجتمع يحرص على خلق أفراد يساهمون في عمليات التنمية المجتمعية، إلا أن الوضع الأكاديمي.. وهو أسهل الأمرين.. قد يكون بالإمكان تجاوزه وتداركه بأساليب كثيرة.. قد يكون منها رفع معدّل القبول في الجامعة.. أو التعاقد مع أساتذة مشهود لهم.. ولجامعاتهم.. للتدريس والمساهمة في العملية التعليمية. لكن القضية هنا ليست قضية تعليم.. بل هي قضية تربوية.. تنال من سمعة الجامعة الأدبية.. وقدرتها الإدارية.. فقضية كهذه.. تعتبر تحت أكثر القوانين تساهلاً.. قضية (تزوير) علني.. ولن يكون من السهل بأي حال تجاوزها على أساس كونها حالة عارضة. فالخطأ صادر عن الهيئة المشرفة على عملية التعليم.. وتكرار التجاوز في هذه القضية يطرح تساؤلات كثيرة هنا عن إمكانية تمرير تجاوزات مشابهة من قبل!!
إن بحوزة الجامعة قوانين صريحة وواضحة تضع أقسى العقوبات في سبيل الحد من ظاهرة الغش بين الطلبة.. وهي ظاهرة تشمل جهاز الوطن التعليمي بأكمله.. إلا أنها في الجامعة تأخذ منحى أشد حدة وأهمية.. على افتراض أن طالب الجامعة أكثر نضجاً.. واستيعاباً لمساوئ الغش.. وعلى اعتبار أن التعليم الأكاديمي الجامعي لا يعتمد بصفة مطلقة على استرجاع المعلومات الواردة في الكتب وحسب.. وإنما هو تعليم يشمل البحث والتنقيب.. علماً بأن هناك جامعات كثيرة لم يعد معترفاً بها من قبل الهيئات التعليمية العالمية.. وذلك لانتشار ظاهرة الغش بين روادها.. سواء كان غشاً عن طريق مقايضة الأبحاث بمبالغ من المال.. أو كان غشاً على مستوى الأمانة الأكاديمية والأدبية المنوط بها من قبل الهيئة التعليمية.. وإذا كانت جامعة الكويت قد استطاعت وضع شروطها للحد من ظاهرة غش الطلبة.. فمن سيراقب ويحاسب تجاوزات هيئتها التعليمية؛ كالتجاوز الوارد ذكره في قضية تزوير الدرجات تلك.. أم سيتم تناول قضية كهذه بمنطق “وإذا بليتم فاستتروا”.. باعتبار أنه ليس من مصلحة أحد ما في هذا الوطن أن تفوح رائحة الفساد من مؤسسته الأكاديمية الكبرى.. أو بمنطق أن الفساد قد أصبح السمة الغالبة في الوطن.. ولا ضير في أن يشمل الحرم الجامعي!!
وكلا المنطقين مرفوض.. فمنطق التستر على الأخطاء.. هو من خواص مرحلة ما قبل كارثة الوطن.. وهو المنطق الذي ارتكزت عليه إدارة الوطن في (ستر) الفضائح.. حتى لا يتعفن جسد الوطن.. فهو المنطق الذي كان وراء كل ما حاق بنا من كوارث.. بدءاً بالسرقات.. والثراء الفاحش.
واستغلال النفوذ.. وانتهاء بانتهاك حرمة الأرض والعرض.. أما الآن وقد بدأنا عصر (الانفتاح) على الفضائح والتجاوزات.. فلن تصمد فضيحة كهذه على التستر طويلاً.
لقد تم مؤخراً الاستغناء عن اثنين من أساتذة كلية الأداب.. والإشاعات أصبحت تملأ الحرم الجامعي عن علاقة الاستغناء عن هؤلاء الأساتذة بقضية التزوير في كلية الآداب!! لذلك فتمشياً مع روح عصر (الانفتاح) على الفضائح.. فإن الوطن بأكمله يطلب من وزير التربية باعتباره في قمة هرم المسؤولية عن الجامعة.. أن يباشر مهامه في تقصي حقائق هذه القضة.. قبل أن نفقد جميعاً الأمل في مصنع الأجيال.. وعندها لن يضيع الوطن فحسب.. بل سيضيع الأمل في خلق المواطن!!
