غير مصنف

الفتاة التي أحدثت أزمة دستورية!

[جريدة القبس 24/3/2009]

شعرت بالخجل وأنا أتحدث مع ابنتي الصبية حول تفاصيل الصراع الدائر حالياً، فهي لا تستطيع أن تستوعب أسباب استقالات الحكومات المتكررة، ولا حل مجلس الأمة لأكثر من مرة، ولا أن تفهم إصرار البعض على حجب حريات الآخرين بحجة الديمقراطية! هي وأقرانها من الشباب والصغار لا يستطيعون استيعاب العلاقة بين مشاركة فتاة كويتية في برنامج ترفيهي، وبين حق النائب ودوره في ممارسة مهامه التشريعية والرقابية!
جيل الشباب اليوم، وبفعل تكنولوجيا الاتصالات والتواصل أصبح ينتمي إلى ثقافة حريات مختلفة في نوعها وحدودها عن تلك التي عاش في ظلها جيل الآباء! هؤلاء الشباب أصبحوا اليوم على شفا تسلم المسؤولية، وهم يحملون أدوات وفكراً ومنهجية تختلف اختلافاً شاسعاً عن آبائهم، اختلاف تفرضه تحولات جذرية في الرؤى والفكر، بل وحتى في أدوات الصراع ودواعيه! وبالتالي فإن ما يطرحه البعض الآن سواء في مجلس الأمة أو في أجهزة الإعلام، أو في غيرها من نوافذ الاتصال والتواصل، أصبح شاذاً في نظر هؤلاء الشباب وبصورة قد تبدو مضحكة وكارتونية في أحيان كثيرة!
اعتراض أحد نواب الأمة على اشتراك فتاة كويتية في برنامج “ستار أكاديمي”، أو وصم أحد الكتاب الفتيات غير المحجبات بالرذيلة والتفسخ والانحلال، أو اعتراض آخر على الحفلات الغنائية، أمور تصطدم بثقافة الحريات التي يتبناها شباب اليوم بفعل تداخل الحضارات الذي يميز هذه الحقبة الزمنية من تاريخ البشرية! هنالك قاعدة علمية في التطور البيولوجي للكائنات تقول إن الكائن الحي إذا ما واجهته أزمة قوية تهدد بقاءه واستمراره بالهيئة ذاتها، فإنه يصبح أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام للموت والفناء، وإما التحول البيولوجي للملاءمة مع الظروف الجديدة، وحدوث ما يسمى بالقفزة الجينية لضمان البقاء والاستمرار!
الديمقراطية في الكويت تواجه اليوم ظروفاً عصيبة مشابهة، تفرض عليها مخرجين لا ثالث لهما: إما الفناء واندثار جهود الأولين ودمائهم في سبيل توطينها داخل الوعي والإدراك الكويتي، أو إحداث القفزة البيولوجية في فكر القائمين عليها ويقينهم، وبشكل يؤمن بقاءها واستمرارها!
لقد جربنا وعبر ما يقارب الخمسة عقود حماية مكتسباتنا الدستورية، وصرحنا البرلماني، ودخلت التجربة أكثر من نفق، وجربنا الحل الدستوري وغير الدستوري، وفُرضت على الشعب حلول مراوغة كالمجلس الوطني! غيرنا الدوائر وفككناها وأعدنا ترتيبها أكثر من مرة، وضعنا القوانين للحد من الفرعيات، وشراء الذمم والأصوات، لكننا لم نجرب تغيير عقولنا وقناعاتنا، ولم نسعَ إلى تطوير فكرنا ورؤانا بصورة تجعلنا نتكيف مع التغيرات التي عادة ما يفرضها الزمن! فأصبحت الهوة سحيقة بين ما يطرحه نواب الأمة، وبين ما تدركه عقول الشباب وما تطمح إليه من أمان وأحلام، خاصة وأنهم ـ أي الشباب ـ يشكلون القاعدة الأكبر في جمهور الديمقراطية، فسادت بينهم وبكل أسف ثقافة الانهزام واليأس من الديمقراطية، وتلك بحد ذاتها الكارثة الأكبر!
نحن إذن بحاجة إلى قفزة جينية بيولوجية تؤمن للديمقراطية ولثقافة الحريات الاستمرار والبقاء، فمن دونها سيبقى اشتراك فتاة في برنامج شبابي قضية مصيرية تدعو إلى استجواب برلماني، وخروج امرأة سافرة أزمة دستورية!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى