الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

الغناء.. الموسيقى والجمال

الغناء.. الموسيقى والجمال

انطلق “هلا فبراير” وانطلقت معه مشاعر الفرح والغبطة والسرور، والتي عبر عنها المواطنون، شيوخاً وأطفالاً، رجالاً ونساءً، من خلال اللقاءات التي أجراها معهم التلفزيون على الهواء مباشرة، ومن موقع كرنفال احتفال البدء بانطلاقة المهرجانات.
لقد أكدت تلك اللقاءات مدى تعطش الناس عموماً لأي دعوة للفرح، فالجميع وبدون أي استثناء أكدوا أنهم كادوا ينسون طعم الفرح، والبهجة والانطلاق، وعبروا عن رغبتهم بأن يتكرر هذا الحدث سنوياً أو حتى شهرياً، بل لقد حرص البعض في تلك اللقاءات على الإشارة إلى أن معارضي “هلا فبراير” يستطيعون البقاء بعيداً عن مظاهر الفرح تلك، وأن يتمتعوا بحريتهم في عدم الحضور أو الاشتراك في فعاليات المهرجان، وأن يتركوا للمحتفلين حقهم في الاستمتاع والبهجة.
يقال أن أهم ما في الديمقراطية، هو شرط الحرية، وأن أصعب ما في الحرية هو الإقرار بأن للآخرين نصيباً فيها. ولعلّ في ذلك تكمن مشكلة المعارضين للمهرجانات سواء كانوا من التيار الديني أم من غيره.
فالحق الذي يتمتعون به في رفض الاحتفال والغناء والرقص، ينكرونه على الآخرين الذين لا يرون في تلك المظاهر خطراً على عقيدتهم أو تهديداً لقناعاتهم الدينية.
بعض “المعتدلين” من أقطاب الإسلام السياسي لا يعارضون كل ما جاء في فعاليات مهرجانات “هلا فبراير” وإنما يصرون على شجب ورفض الجانب الفني منه، أي هم يعارضون حفلات الغناء والموسيقى فيه، حيث أنهم يرون فيها خروجاً عن التقاليد والعادات الكويتية!!
ولا نعلم من أين أتى هؤلاء بتلك المعلومة التي يناقضها واقع المجتمع الكويتي عبر مراحله الزمنية!
فالرقص والغناء بالتحديد كانا الأسلوب المتبع لدى أهل الكويت في التعبير عن فرحهم، والتذكير بمواسمهم، فعودة أهل البحر كانت مصحوبة بالغناء والرقص، والأعياد كلها لم تكن تخلو من مظاهر فرح، يرقص فيها الرجال والنساء، ويحضرها الجميع، وتشهد عليها ساحة الصفاة.
لا شك في أن الرقص والغناء بالتحديد يعتبران أسلوباً بشرياً مارسته كل الحضارات الإنسانية ودونته كل كتب التراث البشري، فكلاهما: أي الرقص والغناء، يعتبر سلوكاً بشرياً للتعبير عن الإحساس بالجمال، وتلك نزعة بشرية غريزية وعفوية، ولقد كان للإنسان طرقه في التعبير عن صور الجمال ومظاهره التي يحسها، فكان أن أطلق الأصوات المختلفة للتعبير عن انسجامه مع الطبيعة في أول مراحله، وبدأ يحاكي الأصوات التي تطلقها الأشجار والمياه، والحيوانات، إلى أن تطورت تلك المحاكاة، وأصبح لها أنغام صوتية معينة وعالجها الإبداع البشري لتصبح أداة في التعبير عن الفرح والبهجة والانسجام، ثم صاحبت تلك الأصوات آلات بدائية كالعصي، والحجر قبل أن تصل إلى الاختراع البشري للآلات الموسيقية الحديثة. وكذلك كان الرقص تعبيراً بشرياً رائعاً عن أحاسيس الإنسان بالجمال، بل لقد كان الرقص أساساً في ممارسة الإنسان لطقوس اجتماعية كثيرة، كالتزاوج، والصيد، ومناجاة الطبيعة قبل أن يتطور بفعل الإبداع الإنساني ليصبح أسلوباً حضارياً في حفظ التراث وفي تجسيد العلاقات البشرية وعاداتها وتقاليدها.
لقد كان للصوت والحركة، أي للغناء والرقص، دور في إبداعات بشرية أخرى، فظهر النحت والعمارة، والرسم، والشعر، والرياضة بأنواعها، والمسرح وكلها تعبر عن أحاسيس بشرية بالجمال.
وخلاصة القول هنا، أن “هلا فبراير” بمعارضه الفنية ومسابقاته الرياضية، وحفلاته الغنائية الموسيقية يأتي منسجماً جداً مع تلك النزعة البشرية الغريزية للجمال.. وكلها أنشطة تنم عن إدراك الإنسان الواعي بكل ما يحيط به من مظاهر جمالية.
وها قد جاءت مشاركة المواطنين في فعاليات “هلا فبراير” لتعبر عن ذلك الوعي والإدراك البشري الراسخ والقديم قدم النشأة الأولى للإنسان.
الغناء والموسيقى ليسا فسقاً ولا فجوراً، بل تعبير حضاري متطور لاحتياجات بشرية طبيعية، يتحد الإنسان عن طريقها بالطبيعة وبكل مخلوقات الله، ويعبر من خلالها عن إحساسه بكل ما تحمله من مظاهر جمالية. فألف شكر للمتعهدين والقائمين والراعين لتلك الاحتفالات، وألف مبروك لعودة الفرح إلى القلوب ولانتصار الجمال على القبح.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى