
على الرغم من كل ما حملته قضية الدكتور “أحمد البغدادي” من تهميش لحرية التعبير بشكل عام!! إلا أنها أتت لتثير قضية لا تقل أهمية في مجتمعنا العربي والإسلامي عن قضية الحريات بشكل عام!! وهي قضية (الحق) في البحث أو في الحديث عن الدين والعقيدة بشكل عام!!
حيث سيطر في الفترة الأخيرة مناخ من الترهيب الذي لم يخلُ في أحيان كثيرة من العنف الذي راح ضحيته أفراد لهم ثقلهم الأدبي والثقافي في مجتمعنا وكما حدث مع (فرج فوده) أو مع (نصر أبو زيد) على سبيل المثال!! نقول سيطر ذلك المناخ العنيف على كل محاولة لفهم أو قراءة الدين بصورة مختلفة عن التي يرى بها المسيطرون الآن على العقيدة والمعتقد من جماعات إسلام سياسي ومن قادة جمعيات دينية ذات صبغة سياسية واضحة، أو من أقطاب الأحزاب الدينية المسيسة الذين ازدحمت بهم واجهات العمل السياسي في مجتمعنا العربي بشكل عام!!
ولم يؤد ذلك الاحتكار للدين الذي أعلنه أولئك إلى العنف الجسدي وحسب، وإنما كان له أثر بالغ لا يقل شراسة ولا تكلفة، حيث صادر ذلك العنف كتباً وإصدارات قيّمة وثمينة أثرت المكتبة الإسلامية والعربية سواء بسبب خشية بعض الباحثين من النشر والتعبير في تلك الأجواء المشحونة عنفاً وإرهاباً، وبالتالي لجوؤهم للنشر خارج عالم الإسلامي وبلغات أخرى!! وكما حدث في مؤلفات وإصدارات الكاتب والمفكر “محمد أركون”!! أو بسبب مصادرة مجتمعاتهم ودولهم لما ينشرون أو يصدرون من كتب وبالتالي حجبها عن القارئ وكما حدث في كتب الكاتب “خليل عبدالكريم” والتي تقدم سرداً تاريخياً مشوقاً ودقيقاً للتاريخ الإسلامي، ومن قبلها مؤلفات “طه حسين” في الشعر الجاهلي وفي “الفتنة الكبرى”، والتي تناولت أحداثاً تاريخية بارزة من تاريخ الإسلام الممتد عبر أربعة قرون!!
إن البحث في العقيدة والخوض في تراثنا الديني والإسلامي يثبت الإيمان ويزرع الطمأنينة في قلوب الذين لا يطالهم (زيغ) الشك!! بل إن البحث في الدين والعقيدة هما جوهر الدين الإسلامي الحنيف، الذي تدعو آيات كتابه الكريم إلى العقلنة والتفكير، بدليل أو الدعوة إلى ذلك قد اقترنت بالكثير من الآيات الكريمة، “أفلا يعقلون” و”أفلا يتفكرون”!! لكن البحث بهذه الصورة يعتبر عملية شاقة تتطلب مجهوداً وغوصاً في أحداث التاريخ والتنقل بين رواته الأولين ومراجعهم القيمة والثمينة، في سبيل ترسيخ الدين والعقيدة، وذلك بحد ذاته جهد يتكاسل عن أدائه والقيام به أكثر أولئك المتحدثون والمدافعون عن الدين!! من الذين لم تتعد إسهاماتهم حد التشهير والتكفير بالآخرين ونبذهم ونفيهم خارج دائرة الدين الإسلامي!! فكم مدافع كتب كتاباً دافع فيه عن الإسلام بالإسلام ذاته كما جاء في رائعة الدكتور “محمد شحرور” (الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة)، وكم مفكر حلل التشريع في الإسلام وفسره كما فعل (العشماوي) و(نصر حامد أبو زيد)!! للأسف إن كل ما يصدر عن أولئك الذين يدعون الدفاع عن الإسلام لا يعدو عن كونه زعيقاً وهجوماً لا يضيف للدين شيئاً ولا يخدم العقيدة في شيء!! بل لقد طال ذلك الأسلوب السطحي في الدفاع عن الدين وفي الحديث عن العقيدة.. طال طرقهم وأساليبهم في الدعوة إلى الدين وفي الدفاع عن الإسلام فنفروا ولم يرغبوا وشتتوا ولم يجمعوا، لأنهم افتقدوا الحكمة التي لا تكون إلا بالتبحر في الدين والعقيدة من خلال البحث في علومه، والتفكر في آياته وتشريعاته بصورة تخدم الدين وتوفر له الاستمرارية في ظل كل هذه المتغيرات والمتحولات!!
إن العنف اللفظي أو الجسدي لا يأتي إلا بسبب ضعف القدرة على الإقناع والمحاججة!! إما بسبب إنعدام الحجة، أو بسبب الجهل بها!! وهو حال أولئك المحتكرين للدين، الذين يفتقدون البحث والغوص في شؤون الدين تاريخياً وعقائدياً!! ولعلَّ في حادثة الدكتور “البغدادي” ما يؤكد ذلك حيث تشبث أولئك (المدافعون) بالشكل الخارجي للمفردة اللغوية وجعلوها محور جدل استهلك قرابة الثلاثة أعوام!! ولم يكلف هؤلاء أنفسهم عناء البحث في التاريخ الإسلامي، والاستشهاد بالحقبة المكية من زمن الدعوة لمحاججة “البغدادي” ودحض مقولته وإيضاح ما قد يكون غائباً عن الدكتور وما قد يكون غاب عن غيره من حقائق!!
لكن ذلك بالطبع ما لم يحدث لأن الهدف ليس الدفاع عن الإسلام، ولأن الغاية هي في نفس يعقوب وحده!!
