الغائب الحاضر

الغائب الحاضر
لن يستطيع القلم أن يتحرك ويمضي من جديد بعد إجازة الصيف دون أن يقف ولو خشوعاً وهيبة وترحماً على راحل لم يرحل أبداً عن جريدته، وفارس لم يغادر بموته ميدانه ومربطه!! فبقدر ما أحزننا وآلمنا جميعاً رحيل أستاذنا سامي المنيس بقدر ما زاد إصرارنا على إبقاء ذكراه وذاكرته وحضوره مدوياً في أرجائنا جميعاً فهو لا يزال حاضراً في كل ركن من أركان جريدة “الطليعة” ولا تزال آراؤه ورؤاه ثاقبة في كل سطر وكل كلمة. ولم يزل عهدنا معه على المضي في كل ما منه صالح لهذه الأرض ولهذا الشعب قائماً وصامداً.
سأفتقد شخصياً عتبه لي عن عدم الكتابة في إجازة الصيف، فمثله لم يعرف الراحة ولا يعترف بالإجازة من هموم الوطن وأشجانه وقضاياه!! سأفتقد كما افتقد غيري إرشاداته الحميمة ونصحه الأخوي، وسيفتقد الجميع قلباً حانياً مليئاً بحب الكويت وأهلها، تلك ديباجة خانني القلم أن أخط شيئاً قبلها، خصوصاً وأنني لم أساهم مع الكثيرين الذين أبنوا راحلنا العزيز، ولم أعبر عن حزني وجزعي الكبيرين كتابة!!
ومثلما ترك رحيل أستاذنا سامي المنيس كل ذلك الكم الهائل من الحزن، فإنه أيضاً قد ترك حزناً آخر بذلك الرحيل، حزننا الكامن في عجزنا عن ملء فراغه ومقعده. وهو أمر ينذرنا ويحذرنا من مغبة الانصياع لعنصر المفاجأة والبغتة في تقدير وترتيب احتياجاتنا وخططنا، وسواء كان ذلك على مستوى المنبر الديمقراطي كتجمع وتنظيم للفكر الوطني الليبرالي والحر، أو كان على مستويات التجمعات والتنظيمات السياسية والشعبية الأخرى.
فهنالك ولا شك فوضى وتخبط سادا الدائرة العاشرة(1) في استعدادها لملء شاغر الراحل العزيز، وهنالك حالة هي أقرب للعراك والعويل منها للصراع والتنافس الناضج النزيه سيطرت على نفوس الراغبين في دخول حلبة التنافس على مقعد الراحل سامي المنيس وكلها مؤشرات ودلالات تؤكد لنا مدى حاجتنا الملحة إلى تنظيم التنافس السياسي في هذا الوطن، وتأطيره ضمن أحزاب أو أي شكل من أشكال التنظيمات السياسية التي ستقطع الطريق حتماً على كل أشكال الفوضى والتذبذب في مجال التنافس السياسي.
جزء كبير من هلعنا وجزعنا على رحيل سامي المنيس يكمن في غياب عنصر وطني صادق ومخلص يندر أن تجود به الأيام. وجزء آخر من ذلك الجزع يعود إلى حذرنا وتخوفنا من العجز عن ملء شاغره بما يضمن لخطة التواصل ولفكره عدم الانقطاع. وتأتينا الآن الفرصة سانحة بعد أن باغتتنا المفاجأة في غياب الراحل العزيز لتنظيم خططنا وخطواتنا بما يكفل لفكر ولتوجه سامي المنيس الاستمرارية والتواصل مع الأجيال الحاضرة والمقبلة.
أمام “المنبر الديمقراطي” اليوم مهمة قد تكون صعبة إلى حد ما، وواجب هو قطعاً حتمي، لتحضير الكوادر الشابة ورعاية وتأهيل أصحاب الفكر الليبرالي من الشباب والشابات رعاية فعلية من خلال إدراجهم في برامج ومهام وطنية تقربهم من فكر “المنبر” ونهجه وتوصلهم ببرامجه وبخططه!! وتكمن صعوبة مهمة كهذه في شراسة ساحة الصراع والتنافس خصوصاً في أوساط الجيل الجديد حيث يسيطر أصحاب الأفكار المعلبة، وأهل الحلول الجاهزة من أقطاب جماعات الإسلام السياسي الذين سيطروا سياسياً واقتصادياً بعد أن أحكموا قبضتهم أولاً على أفكار وتطلعات شريحة الوطن من الصغار والشباب.
لقد بقي أصحاب الفكر والتوجه الليبرالي بمعزل عن ساحة الطلبة لفترة طويلة سبقت الغزو!! إلى أن استطاع بعض الوطنيين المخلصين وعلى رأسهم غائبنا الحاضر أبداً سامي المنيس أن يدشنوا تواصلاً جديداً مع الفئات الشبابية وذلك في أعقاب مرحلة الغزو الحزين. وبدأ النشاط يدب من جديد في قوائم وفئات طلابية ليبرالية، وعادت للنهج الليبرالي قاعدته بين شباب الوطن، وقد كانت بصمات راحلنا الكبير واضحة في دفع عجلة ذلك النشاط، وأصبح على “المنبر الديمقراطي” ومريديه ومسانديه من حماة الديمقراطية والدستور والعدالة الاجتماعية واجباً مقدساً وعهداً بتكملة المشوار، وبتوسعة القاعدة لتشمل كل الخيرين والمخلصين من أبناء هذا الوطن العزيز.
لم يكن بالسهل علينا أبداً فراق الأخ سامي المنيس لكنها إرادة الله وحكمه وقضائه، ولم يبق بأيدينا ما نقدمه للغائب الحاضر سوى وعد وإصرار وعهد على تكملة المشوار والمضي في تحقيق أحلامك الديمقراطية يا سامي.


