غير مصنف

العنف.. حق بيولوجي

[جريدة القبس 8/1/1996]

سيطر العنف على أغلب أحداث العالم العربي للعام 1995.. بحيث طغت أحداث العنف والعنف المضاد على أي تفاصيل ووقائع سجلها العام المنصرم!! حتى لقد ساد العنف في مجتمعات سياسية عربية كانت وإلى عهد قريب مسالمة وأليفة!! أهمها أحداث العنف الانتخابي الأخير في مصر الذي سقط ضحيته ما يقارب السبعمائة فرد بين قتيل وجريح!! ودفع بتفسيرات مختلفة.. بين آراء ترى في عنف مصر الانتخابي جزءاً لا يتجزأ من دورة الإرهاب التي سادت الشارع المصري مؤخراً!! وآراء أخرى ترى فيه تطوراً خطيراً ودخيلاً على المجتمع والفرد المصري المسالم!!.
وهنا يبرز تساؤل لا يخلو من الجدل في أحيان كثيرة!! وهو تساؤل عن مدى منطقية وصحة القول أن هنالك شعوباً مسالمة أليفة.. وأخرى عنيفة ودموية!!
الذين يرون في ذلك التصنيف للعنف، حقيقة وواقعاً، هم لا شك يستقون رؤيتهم هذه من الأحداث السياسية من حولهم، التي تجعلهم ينظرون إلى التطور السياسي في مجتمع كالعراق مثلاً.. مع ما اتسم به من مظاهر عنف في الانقلابات السياسية كامتداد طبيعي لنزعة الفرد العراقي للعنف إجمالاً!! وهو المنطق ذاته الذي يرى في أحداث العنف الأخيرة في انتخابات مصر أو في دورة العنف التي حملت لواءها الجماعات المتطرفة هناك كونها أسلوباً دخيلاً لا يتلاءم مع طبيعة المصري المسالم الأليف!!
أما الذين يعارضون هذا التفسير فهم يرتكزون في رفضهم هذا على أطروحات المتخصصين في بعض النظريات الاجتماعية التي ترى أن العنف جزء أساسي في عملية التطور البشري، وعنصر هام في أكبر التحولات التاريخية والاجتماعية في حياة البشر!! وبأن الحالة الطبيعية للبشر أي ما قبل التحول إلى المجتمعات المدنية. كانت قائمة على حرية استخدام العنف!! وطبقاً لهذا التفسير فإن من الخطأ الشائع أن يكون العنف صبغة أو صفة خاصة بمجتمع بشري محدد أو مجتمع دون الآخر!! بل على العكس من ذلك تماماً، فلقد اتفقت أغلب تلك الأطروحات على أن القول أن الإنسان حيوان سياسي، وأنه يولد مجهزاً بقابلية طبيعية للاجتماع!! مقولة خاطئة تدل على تأمل سطحي في الطبيعة البشرية.
وأن الصواب يقتضي بأن التربية والتأديب هما ما يجعلان الإنسان كائناً اجتماعياً وليست الطبيعة بحد ذاتها أو بمفردها!! حتى لقد رأى بعض علماء الاجتماع، أن العنف هو الصفة السائدة أو بالإمكان القول أنها تغلب صفة الوداعة والمسالمة لدى البشر، لكونها – أي نزعة العنف – أداة الإنسان للاستمرار والبقاء في نشأته الأولى أو ما طورناه فيما بعد. بكونه عنصر “البقاء للأقوى”!!
وطبقاً لذلك التصور فإنه من الظلم، أو من اللامنطقية، أن تختزل صفات شعب أو حتى فرد في صفة واحدة وبحيث يجرد من سواها من صفات أو نزعات!!
لذا، فإن الاختلال، أو الدمار، الذي أصاب المجتمعات البشرية بفعل العنف، سواء أكان ذلك حروباً أم عمليات إرهابية. أم قتلاً جماعياً!! لا يصح أن يفسر بكونه نابعاً من جغرافية النشأة او مكانية الانتماء!! وإن نحن أصررنا على ذلك، فنحن بلا شك نكون قد نفينا وحدة النشأة البشرية وتجانس المخلوق البشري!! وبررنا كل نزعات التطرف في التفرقة العرقية والجنسية وصح لنا أن نفرز المواليد إلى مواليد إرهابية عنيفة. وأخرى مسالمة وديعة!!
هي لا شك قضية جدلية. وستبقى جدليتها عالقة وجزءاً من أبحاث ودراسات الإنسان البيولوجية في محاولة منه دائماً ليخرج من دائرة النشأة “الحيوانية” التي ترتكز عليها كل نظريات نشأة البشر وتطورهم البيولوجي والجيني!! فكما خلق الإنسان مجتمعات مدنية حاول من خلالها تأكيد تميزه عن سائر المخلوقات اجتماعياً بما سنه من قوانين ودساتير ونظريات سياسية واجتماعية، محاولاً أن يتجاوز طبيعة خلقه التي تجعل من العنف حاكماً لعلاقات المخلوقات في ما بينها!! ووسيلة للبقاء وللاستمرار ولحفظ النوع!! كذلك خلق الإنسان تصنيفاً سياسياً للمجتمعات البشرية قسمها إلى شعوب عنيفة وأخرى مسالمة وأمم متفوقة عقلياً وأخرى متخلفة وقاصرة!! في محاولة لقمع مكامن القصور في هذا الواقع الذي أصبح يؤرق المجتمعات البشرية التي سيطرت على الكون ولم تسيطر بعد على نزعة بيولوجية بحتة للعنف لدى الكائن البشري!!
لا نرمي من وراء ذلك إلى تبرير العنف، وإنما هي محاولة لتأكيد أن من اللاعدل أن يكون العنف أو السلم صبغة وصفة تتميز بها أمم وشعوب دون الأخرى!! وأن أخطر ما اقترفه الإنسان الحديث في صراعه مع العنف. هو تنازله عن حقه “البيولوجي” في استخدام العنف مقابل شرعية استخدام العنف ذاته من قبل المؤسسات السياسية والعسكرية.. أو من قبل الدولة في مواجهة الفرد!! في سبيل الحفاظ على الشكل “الحضاري” للدولة وللمؤسسة السياسية!!
لا يوجد إنسان عنيف وآخر مسالم!! فللبشر صبغة بيولوجية واحدة!! وإن كانت صبغاتهم السياسية كألوان الطيف!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى