الأرشيف

العلم.. هدف أم غاية؟

[جريدة القبس 22/2/1994]

التحصيل العلمي في هذا الوطن تحوطه معوقات ذات منبع اجتماعي واقتصادي.. قبل أن يكون تعليمياً وإدارياً، والأداء العملي متراجع وضئيل، وتقييم العمل والعلم عملية تصطدم دوماً بأمور أبعد ما تكون عن أي من المجالين. ووسط كل ذلك يصرخ الجميع وتتعالى أصوات الأهل قبل المسؤولين عن ضرورة وضع مقاييس ومعايير تحكم وتنظم التعليم.. ثم الأداء العملي فيما بعد، بحيث يصبح الجهد وحده الفيصل في عملية التقييم، في أي من المرحلتين العلمية أو العملية.. الجهد وحده يصبح المقياس الأساسي لكل عائد مادي أو حتى معنوي.. لأي إنجاز علمياً كان أم عملياً.
رد الفعل الأول لدى المواطن تجاه أي عملية تقييم قائمة على مركز اجتماعي أو مالي أو عائلي، هو دوماً ردة فعل غاضبة ومستاءة.. إلا أنه وبالرغم من ذلك، فإن آراء كثيرة قد خرجت متفقة مع الرأي المطروح مؤخراً حول رصد مخصصات لطلبة الجامعة في أثناء فترة تحصيلهم العلمي معززة بذلك روح الاتكالية.. ومتجاوزة مفهوم الجهد والعائد الذي هو أساس تنظيم وتنسيق أي إنجاز بشري.. سواء على المستوى الدنيوي من عمل ورزق ومعيشة.. أو على المستوى الديني والرباني من صلاة وعبادة وجنة ونار.
لا جدال في أن ظروف المعيشة في هذا الوطن تفرض شروطاً لا عقلانية كأساس للاندماج في حلقة العلاقات اليومية، وخاصة على مستوى العلاقات الشبابية ومتطلباتها التي أصبحت عبئاً ثقيلاً على الكثير من الأهل والآباء، وهي شروط لا يخلو أي مجلس أو حديث من نقدها.. والتأكيد على وجوب تغييرها.. أو على أقل تقدير تخفيف وطأتها على كلا الطرفين: الأهل والأبناء. وقد استبشر الكثير في أن تحقق مأساة الوطن وغزوه درساً وعبرة يفرضان واقعهما على تلك المفاهيم وأن تخرج العائلة والشاب والمجتمع بأكمله بروح أكثر نضجاً حول أمور أصبحت بطريق الخطأ تشكل أول الأولويات في تقييم المواطن.. بل وفي الترحيب به كفرد في المجتمع، إلا أن الواقع.. وكما يعيشه كل بيت لم يخالف قاعدة “عودة الأمور إلى طبيعتها.. وكما كانت قبل الغزو الآثم” وهي قاعدة أثارت في نفس البعض أمناً واطمئناناً.. وزرعت في نفوس أخرى شكوكاً خالفت حتى الطبيعة ومنطق العودة إلى الوراء..
مقومات اندماج الشاب في المجتمع، من سيارة وسفر وأمور ترفيهية أخرى.. عادت كذلك فيما عاد من أخطاء وسلبيات، وحجة الكثير في ذلك أنه لا يستطيع أن يكون الوحيد أو البادئ في إصلاح أمور هي إفرازات لسلوك مجتمع بأسره، لذا، فقد عاد الشاب الذي أدى عملاً يدوياً يأنف منه الآن، وعاد إلى وظائف الحكومة الأسهل. والمواطن الذي كان يرضى قضاء احتياجاته مشياً أو على دراجة.. عاد يدفع الأقساط ثمناً لسيارة. وحجة هؤلاء حقيقية وإن لم تكن صحيحة.. فالمجتمع هو الذي يملي شروطه تلك.
والأب الذي يطلب من ابنه الاستعانة بدراجة أو حتى بوسائل المواصلات العامة.. وسط مجتمع يستهلك أكبر نسبة من السيارات في العالم، لن يصمد طويلاً.. قبل أن يرضخ لمتطلبات المجتمع من حوله، والسير بمقاييسه. لكن أن تكون الجامعة – كإحدى أهم مؤسسات تنشئة ورعاية الشباب – مساهمة في تأكيد وتأصيل تلك المقاييس، فذلك هو الخطر الحقيقي.
الجامعة هي أولى خطوات الشاب نحو التنافس في المجتمع الذي سيستقبله.. ودورها الأساسي هو أن توفر له سلاحاً ماضياً في تنافسه هذا.. وأن توفر له مناخاً تعليمياً متماشياً مع أحدث ما يطرحه العلم والأدب والثقافة من نظريات وكتب وأجهزة وأساتذة.. هذا هو دور الجامعة في كل مؤسسات التعليم في العالم من حولنا، أن تخلق فرداً قادراً بعلمه أن يؤدي إنجازاً متميزاً يسخر له الرفاهيات الأخرى.
الجامعة هي بكل تأكيد ليست كذلك، والسلبيات موجودة، خاصة بعد أن أصبح التعليم، وخصوصاً الجامعي، هدفاً يفتح الطريق أمام الشاب لوظيفة الدرجة الرابعة في الحكومة.. أو ما هو أفضل في المؤسسات والشركات الخاصة.. فلا أحد بالطبع يود أن يتزايد تردي وتراجع التعليم.. إذا ما خصصت (العلاوة الجامعية) ليصبح هدف الكثير من الشباب الفوز بالثانوية العامة؟!
إذا كان القصد من وراء المكافأة الجامعية مساعدة من لا يستطيع إكمال مسيرته التعليمية بقصد الاستقرار في الدرجة الرابعة، فبالإمكان تحقيق الهدف ذاته.. وذلك بتوفير الوظائف الملائمة لغير القادرين على الاستمرار العلمي سواء لأسباب اجتماعية أو مالية أو مقدرة علمية.. والمقصود بالوظائف الملائمة أن تتم متابعة الموظف بالدورات التدريبية الجادة، والتي تعزز من أدائه وقدراته الوظيفية، لا أن تكون هي الأخرى أي – الدورات التدريبية – شرطاً للحصول على درجة وظيفية.. وإلا بقي الخطأ عالقاً في الدائرة.
أساس المشكلة هنا يعود إلى المشكلة الأم.. أي بكون التعليم بوجه عام في هذا الوطن هدفاً للوصول إلى مركز اجتماعي.. أو مسمى وظيفي مرموق. بينما هو في العالم بأسره.. غاية تفتح الطريق.. وتمهده لأهداف يكون تحقيقها.. وبلوغها.. من حق من عمل وسعى للوصول إليها!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى