
تشويه للفكر العلماني”
موجة العنف الديني السائدة.. والتي لا تهدد المجتمع فحسب.. وإنما تهدد الدين الإسلامي ذاته.. خاصةً بعد أن تزايد حجم الخلط بين الأوامر والنواهي ذات الأصل والمنبع القرآني وبين ما هي جهد واجتهاد بشري من أوامر يتحتّم علينا النظر إليها بروح العصر الذي نعيشه.. ويعيشه العالم من حولنا ويتعامل معنا كشعوب مسلمة على أساس معطياته.
موجة العنف الديني.. تشعبت وطالت تعاليم يتفق فيها النص القرآني مع مبادئ الأخلاق والسلوكيات العامة.. وفتاوى الذين اعتنقوا العنف أصبحت تتناقض مع روح الإسلام.. وإمعاناً منا في التوضيح.. فقد أصدرت إحدى الجماعات الإسلامية في “أسيوط” بمصر.. تعليماتها إلى أعضائها بالإقدام على الانتحار فور اعتقالهم.. وذلك لتجنبهم إجراءات الاستجواب.. بما قد يتيح لقوات الأمن كشف خلايا التنظيم.. ولإضفاء المزيد من الإغراءات على عملية الانتحار المنهي عنها دينياً وأخلاقياً.. فقد صرَّحت تلك الجماعات أن من يتبع الانتحار في هذه الحالة فسيعتبر شهيداً!!
الظاهرة الدينية الموجودة الآن.. هي مرحلة طبيعية من مراحل التاريخ عاشتها أوروبا فيما قبل عصر التنوير والثورة الفرنسية 1789 والتي هي من أهم الأحداث التاريخية التي بدأت على شكل انقلاب سياسي في فرنسا.. امتد أثره فيما بعد ليشمل العالم كله.. بما فيه العالم الإسلامي.. والذي يدين للثورة الفرنسية بمفاهيم كثيرة كمبادئ حقوق الإنسان.. والتي هي من إنجازات العلمانية التي تفجرت في فرنسا.. الظاهرة الدينية بدأت في النضال للحفاظ على مكتسباتها السياسية والاجتماعية في أوروبا بعد أن بدأت عملية الصراع بين الفكر الحر الذي أتت به الثورة الفرنسية.. وبين بعض الحقائق التاريخية.. بما فيها الدينية.. والتي كانت مناطق محظورة يحظر التفكير فيها.الثورة العلمانية لم تنكر وجود الدين وإنما طالبت وأيدت فصل الدين عن الدولة، خاصة بعد أن ازداد الصراع بين الكنيسة والدولة.. حرصاً من الأولى في الحفاظ على سلطتها المطلقة في كافة شؤون المجتمع آنذاك: وقد تكون الدعوة العلمانية قد اتخذت بعض أشكال التطرف.. خاصة في فرنسا والتي منعت دراسة الأنظمة الدينية واللاهوتية في جامعاتها.. بينما قلت حدة ذلك التطرف في باقي الدول الأوروبية.. وكما هو الحال في ألمانيا.. والتي أدرجت دراسة اللاهوت في أقسامها..
الثورة العلمانية في أوروبا.. شكلت أولى علامات العصر الحديث.. والذي تدين له الإنسانية بكل الإنجازات العصرية.. قد يكون أقربها لواقع البشر.. الإنجازات الطبية والدوائية والعلمانية كما ذكرنا لم تنكر الدين.. وإنما أخضعت كل الحقائق التاريخية بما فيها النصوص المقدسة للنقد والدراسة.. ليس بهدف إلغائها.. وإنما لفهمها على ضوء معطيات ومتطلبات العصر.
ولعلّ في هذه النقطة ما يثير المخاوف في مجتمعاتنا من احتمال ما قد تثيره إمكانية العودة إلى الجذور والأصول التاريخية لكثير من الأمور الفقهية.. والتي تحتمل إعادة الاجتهاد على ضوء أصولها القرآنية.. وبحسب ما وردت في النص المنزّل. فالإسلام الذي أتى به الرسول محمد c.. قد مرّ بمراحل كثيرة.. ابتعدت كثيراً عن المرحلة الأولى التي كان عليها.. واستطاع فقهاء تلك المراحل تبرير الكثير من التشوهات التي اعتبرت التعاليم الأولى للإسلام.. ففي العصر “الأموي”.. تمت مصادرة الدين من قبل السلطة السياسية في ذلك العهد.. ثم تبعهم بعد ذلك “العباسيون” في الإمعان بمصادرة الدين.. ليشكل مصدراً أساسياً للتبرير وإضافة المشروعية على حكم الأمويين.. ومن ثم العباسيين.. إلى درجة أن الخليفة في تلك المرحلة.. والذي كان بشراً.. لا نبياً مرسلاً.. كان على درجة من القدسية.. استخدمها لإضفاء المشروعية على تميزه الطبقي.. وبذخه.. وإسرافه.. من ذلك العهد الإسلامي.
والعلمانية التي انتشرت وسادت في أوروبا.. كان أساسها ذلك الفهم والاستخدام الخاطئ للدين.. والذي كان سببه أساساً أن القدسية التي كانت من سمات النص المقدس.. قد جرى استخدامها من الكنيسة لفرض حظر على التفكير والتساؤل في أمور هي من حق المجتمع والفرد معاً.
العلمانية في أوروبا لم تغتصب حق الكنيسة.. بل على العكس من ذلك فقد هيأت العلمانية في أوروبا لرجال الدين مناخاً مستقلاً.. يمكنهم من التفرغ للبحث في الشؤون الدينية دون أن يخشوا من تدخل السلطة وسيطرتها كما كان الحال عليه في القرون الوسطى.. ولعل في حادثة نقل رفات “الأب غريغوار” إلى مقبرة العظماء في وسط فرنسا.. ما يؤكد تلك الحقيقة. ففي الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية.. تم نقل رفات “الأب غريغوار” إلى تلك المقبرة.. و”الأب غريغوار” رجل دين وأحد أبطال الثورة الفرنسية. وكان من الذين وقفوا موقفاً استثنائياً في عدائه للثورة قياساً بموقف الكنيسة آنذاك.. فوقع على (الدستور المدني لرجال الدين) والذي يعني فصل الكنيسة الفرنسية عن روما. وإلحاق رجال الدين بسلطة الدولة.. ليصبح الكهنة بذلك تحت أمرة السياسيين.. وقد رفض رجال الكنيسة التوقيع على ذلك الدستور بينما قبل “الأب غريغوار”، وكان ذلك سبباً في رفض كاردينال باريس ورئيس الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا المشاركة في الاحتفال الرسمي لنقل رفات “الأب غريغوار” في الذكرى المئوية الثانية للثورة.. وحيث رفض كاردينال باريس دعوة “ميتران” للمشاركة في نقل الرفات.. لأنه وبحسب ما أتت به العلمانية من تغيير.. ليس خاضعاً للرئيس الفرنسي فيما يخص الشؤون الدينية.. وإنما هو خاضع “للبابا” فقط. وبذلك فإن له الحق.. كل الحق.. في رفض طلب الرئيس “ميتران”، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن فصل الكنيسة عن الدولة كان من صالح رجال الدين أيضاً.الذين أتاحت لهم العلمانية الاستقلال بآرائهم وشؤونهم الدينية.
العلمانية التي أصبحت مرادفاً للكفر في مجتمعاتنا.. حظت بسوء فهم وتطبيق من كلا الجانبين.. الجانب ذو التوجه الديني التعصبي.. والجانب المنادي بالفهم والتحليل العلمي للتاريخ والمجتمع.. ويعود السبب في رفض العلمانية ومحاربتها.. واللذان أصبحا هما النغمة السائدة الآن.. إلى أن كل محاولات العلمنة لم تكن نابعة من داخل التجربة التاريخية للإسلام.. وإنما جاءت من مجتمعات أخرى تخضع لظروف وشروط مغايرة.. لذلك فقد أدت كل محاولات العلمنة في العالم الإسلامي.. إلى ردود فعل هائجة وثائرة من قبل المجتمع.. إما لكونها اقترنت بالسيطرة الغربية.. أو لأنها امتداداً يراه البعض للصراع المسيحي – الإسلامي الممتد من الحروب الصليبية.
