الأرشيف

العلاقة المفقودة

[جريدة القبس 18/5/1993]

سيتحدث القائمون على الأجهزة التعليمية في هذا الوطن عن أزمة التعليم وترديه المستمر.. بكونها أزمة ذات صلة بسوء إدارة الوطن بوجه عام.. وسيقترح المراقبون للمشكلة التعليمية إجراء مسح شامل وتطوير جذري للمناهج وسيبادر الموجهون باقتراحات ذات علاقة بالجهاز التعليمي القائم على العملية التعليمية.. وسيطرح وزير التعليم مشكلة الهرم المقلوب.. والقرار السياسي المطلوب.. لتصحيح الأوضاع التعليمية.. ولكن أحداً قط.. لم يتطرق للمشكلة الأهم.. وهي العلاقة المفقودة.. بين الفرد عموماً في هذا الوطن.. وبين الكتاب سواء كان ذلك الفرد طالباً.. أم لا.
العلاقة مع الكتاب تكاد تكون معدومة في مجتمعنا.. سواء على مستوى الطالب أو على مستوى القائمين على العملية التعليمية.. وافتقاد العلاقة مع الكتاب ليست على مستوى التعليم في مراحله الأولى.. وإنما هي كذلك في مراحله المتقدمة والجامعة على وجه الخصوص.. فالطالب الجامعي الذي يعتمد كلية في هذه المرحلة من التعليم على ما يقرره المنهج من كتب.. ومطالعات.. ينفي بذلك حقيقة ومغزى التعليم الجامعي.. والتي هي أساساً بداية الطريق نحو خلق الفرد القادر على البحث والاطلاع.. ومن ثم الفرز وخلق العلاقة بين ما يتلقاه من تعليم.. وبين جهوده وحاجاته الشخصية في الاطلاع والمتابعة.. من خلال القراءة والبحث.. والتي تعتبر حقاً من حقوق المواطن التي يحرص على التمتع بها في المجتمعات الأخرى.
هناك مفاهيم واعتقادات كثيرة خاطئة أدت إلى تقلص مخيف واختفاء لدور الكتاب والمكتبة سواء في حياتنا التعليمية أو المهنية أو حتى في شؤوننا اليومية.. فعلى مستوى المراحل التعليمية.. جاءت سلبية طالب العلم تجاه الكتاب كنتيجة طبيعية لاختفاء الكتاب والمكتبة من المناهج التعليمية.. وبحيث أصبحت الساعات المخصصة للمكتبة.. ساعات إضافية لا تحمل ثقل وأهمية الساعات الدراسية الأخرى.. بل وحتى على صعيد المرحلة الجامعية.. والتي أساسها البحث والتنقيب والمتابعة.. يشكو المشرفون على المكتبات الجامعية من خلو المكتبات من الرواد المترددين والمطالعين.. وتلك حقيقة اصطدم بها الكثير من طالبي العلم.. ممن رغبوا في اتمام تعليمهم العالي في خارج الوطن.. وحيث تكون هناك العلاقة بين الطالب والمكتبة علاقة يومية وأساسية لإتمام التحصيل العلمي.. وكثيراً ما لاقى طالب العلم في خارج الوطن.. صعوبات في بداية الطريق لإعادة تأسيس تلك العلاقة المفقودة مع المكتبة والكتاب.. والتي سرعان ما أثبتت له الدراسة في تلك الجامعات مدى ارتباطها بأي إنجاز علمي يتم تحقيقه.
إلا أن بوادر تلك العلاقة المفقودة مع الكتاب والمكتبة سرعان ما تطفو إلى السطح مجدداً.. فمع المنصب الوظيفي واللقب الأكاديمي.. تبدأ تلك العلاقة التي ولدتها الحاجة للشهادة.. في التراجع.. وبحيث تولدت قناعة في المجتمع.. وبين النخبة حاملة الألقاب الأكاديمية بالذات.. إن الشهادات العليا هي محطات وصول.. وبداية تأهيل للبحث العلمي والمتابعة، حتى لقد أصبحت بعض الألقاب الأكاديمية في هذا الوطن.. شأنها شأن أي درجة في سلم الوظائف تؤمن لحاملها مركزاً وظيفياً مرموقاً.. وراتباً مغرياً.. وحضوراً اجتماعياً بارزاً.
مما أفقدها لدى الكثير جوهرها وحقيقتها. وتلك حقيقة استطاعت الجامعات والهيئات التعليمية في الخارج الحد من خطر استفحالها.. بل وعملت الكثير من الوظائف والمناصب أيضاً في السيطرة على انتشارها.. وبحيث لم يعد اللقب أو الإنجاز الأكاديمي دائماً هو الفاصل في التأهيل الوظيفي.. بقدر ما هو استمرار المتابعة والبحث.. وبغض النظر عن الدرجة الأكاديمية.. فهناك أساتذة قديرون يشغلون مناصب ريادية في جامعات تحظى بقبول واسع في العالم.. لا يعتمدون على ألقاب أكاديمية بقدر ما أثبتوا قدراتهم على العطاء والاستمرار في أبحاث عادت بالفائدة على مجالات تخصصهم ومجتمعهم بوجه عام.
ذلك الاقتناع بأهمية الاطلاع والمتابعة.. واستمرار التحصيل العلمي والمعرفي.. لم يأت على مستوى فردي وحسب.. وإنما يؤكده المجتمع الذي يعيش فيه أولئك الذين يصرون على إبقاء العلاقة مع الكتاب قائمة ومستمرة وهو مجتمع يطرح المتابعة والاطلاع من ضمن شروطه للنجاح والتفوق.. وإثبات الوجود الشخصي. وهو أيضاً أساس قضية غياب العلاقة مع الكتاب والمكتبة في مجتمعاتنا بوجه عام.
وحيث يفتقد المواطن للحاجة والدافع إلى استمرار تلك العلاقة مع الكتاب حتى فيما بعد المرحلة الدراسية.. إن كان على مستوى التطور الوظيفي والذي لا يخضع إلى أي درجة من درجات تطوير الأداء الذاتي.. من خلال الاطلاع والمتابعة الشخصية. أو على المستوى الاجتماعي والذي لا يوفر أجواء تنافسية تحث على الاطلاع والمتابعة.. بل نحن نعيش في مجتمع لا يتردد في إطلاق ألقاب وصفات كاريكاتورية في غالبها على من يخصص الجزء الأكبر من يومه في المطالعة والتردد على المكتبة.. كالصفات التي تطلق على الطالب الملتزم والمجتهد.. بدءاً بصفة الانطوائية والعزلة.. وانتهاء بسمك النظارة.. وكلاسيكية الملبس. وتلك وإن كانت أموراً ثانوية.. إلا أنها تعكس صورة حقيقية للجو العام المسيطر على واقع الكتاب والمكتبة في هذا الوطن.
لقد كان للمكتبة والكتاب دور هام وأساسي في التكوين الحضاري للعالم بأكمله.. فلقد تفاعلت الحضارات الإنسانية كلها.. من خلال انتقال الكتب وترجمتها.. فلقد شكل الكتاب عبر التاريخ البشري ثقافات سياسية واجتماعية كانت لها بصماتها الواضحة في حياتنا.. وبحيث ضاعفت مكتبات كثيرة في التاريخ.. من أهمية المدن التي أنشئت عليها تلك المكتبات.. ومن هنا فقد كانت أكثر الملامح بؤساً وسوداوية في التاريخ.. تلك المتعلقة بحرق المكتبات والكتب.. فهي التي طبعت المغول بالصفات اللاحضارية والهمجية، وهي التي يجتهد العرب الآن على إنكارها من خلال المحاولات الحثيثة لنفي تهمة حرق مكتبة الإسكندرية عن العرب.. تلك المكتبة التي كانت مركزاً للعلم طيلة سبعة قرون.. واحترقت في العام 391م وما زال عار حرقها يلاحق العرب.. إلى أن يثبت العكس ببرائتهم.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى