الأرشيف

العقيدة: دعوة للتفكر لا للانصياع

[جريدة الطليعة 12/3/1997]

عَبْرَ الموجه الفني العام للتربية الإسلامية “الدكتور الحطاب” في مؤتمر صحفي عن مخاوفه من فرض آراء وتوجهات أعضاء اللجنة العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على العمل التربوي، كما أشار الدكتور “الحطاب” إلى اجتماع ضم وزير التربية وثلاثة من أعضاء اللجنة العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة عُقِدَ في مبنى الوزارة قبل العيد الوطني بأيام، خرج بعده الوزير ليُصر على ضرورة تدريس مناهج دينية معينة لتلاميذ المرحلة الابتدائية تتناول عذاب القبر وأهوال يوم القيامة.
وبالطبع، وكما تابعنا جميعاً، فإن نفياً أو حتى توضيحاً بهذا الخصوص لم يصدر من قبل وزارة التربية، ولا من اللجنة. قضية المناهج التعليمية بوجه عام، هي قضية تُثار بين الحين والآخر، ليس في هذا الوطن وحسب، وإنما في دول كثيرة من حولنا. وأساس إثارة هذه القضية يعود إلى طبيعة العلم المتحرك والمعرفة البشرية المتغيرة دائماً. وحركة العلم السريعة هذه تتطلب دائماً تطويراً للمناهج التعليمية، بصورة تضمن انسجاماً بين ما يتلقاه طالب العلم من دروس وبين ما يعيشه من واقع ومتغيرات من حوله.
إن حركة العلم السريعة لا تعني أن كل المتغيرات والمستجدات العلمية صحيحة ومطلقة. بل على العكس من ذلك، فإن تاريخ المعرفة الإنسانية يؤكد حقيقة نسبية تلك المعرفة، فجميع الحقائق العلمية التي نعاصرها الآن قد جاءت على فترات ومراحل مختلفة ومتباعدة، جرى فيها إنكار ونفي تلك الحقائق، قبل أن تصبح ثابتة بالبحث والتجربة العلمية.
فالأرض مثلاً بقيت محور الكون، ولعقود طويلة، قبل أن ينفي الفكر البشري تلك “الحقيقة” وتكتمل المعرفة الإنسانية في هذا الشأن من خلال إدراك كيفية حركة الكواكب والشمس.
لم يكن في استطاعة العقل البشري إدراك تلك الحقيقة، بالعودة إلى الآيات القرآنية التي تشرح وبدقة منزلة الشمس وحركة الكواكب.
F ﵟوَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِـي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٤٠ﵞ ﵝيس : ﵐﵔﵜ F.
لم تمنع إذاً هذه الآية الكريمة، الفكر البشري من أن ينطلق باحثاً في حقيقة علاقة الأرض بالشمس. وبذلك فهو إذ يرسخها حقيقة علمية إنما يرسخ القرآن كإعجاز وكتنزيل من خالق يملك الحقيقة كلها.
لا شك أن المراحل التي عبرت بها المعرفة الإنسانية، تؤكد درجة الفهم النسبي الإنساني لأمور كثيرة من حوله. وذلك مقارنة بإعجاز القرآن الكريم كحاوٍ للحقيقة المطلقة، من هنا كان القرآن هو “الحق”، F ﵟوَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِيـنٌ ٧ﵞ ﵝالأَحۡقَاف : ﵗﵜ F.
إلا أن شمولية القرآن لا تعني إعفاء البشر من التفكير والبحث. بل على العكس من ذلك تماماً، فالدعوة إلى البحث والتفكر قد جاءت في آيات كثيرة، F ﵟأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّـنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤ﵞ ﵝالنَّحۡل : ﵔﵔﵜ F.
F ﵟٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِﵞ ﵝآل عِمۡرَان : ﵑﵙﵑﵜ F.
لذا فإن رفض الكثير لتَدَخُل اللجنة العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المناهج الدراسية، لا يعني رفضهم للقرآن حكماً وتشريعاً، بل هو نابع من حرص هؤلاء على ضرورة إبقاء القرآن كتنزيل إلهي مطلق بعيداً عن جدلية العلم وشكوكه.
لعلّ الأمر المؤسف هنا، أن المحاولة الأولى للجنة العليا للإسهام في المناهج التعليمية قد أتت بصورة تؤكد حقيقة مخاوف الناس من محاولات توظيف الدين لأغراض سياسية ودنيوية بحتة. وطلب اللجنة تدريس عذاب القبر وأهوال يوم القيامة للمرحلة الابتدائية، دليل واضح على فهم أعضاء اللجنة الخاطئ لأهمية الدين كمعتقد ثابت، وكسبيل لطمأنينة الفرد.
فبينما يرى الباحثون في الآيات القرآنية التي تتحدث عن يوم القيامة، يرون فيها دلائل علمية على نشأة الكون وتطوره تؤكد ثبات القرآن نصاً وتفسيراً، يصر أعضاء اللجنة على توظيف تلك الآيات بصورة تخيف النشء ولا تطمئنه، على الرغم من قول العزيز الحكيم، F ﵟقُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِﵞ ﵝالأَحۡزَاب : ﵓﵖﵜ F.
إن الدين والعقيدة في جوهرهما أدوات تبني إنساناً سوياً عاقلاً ومفكراً. وهما مدخل للأخلاق وللقيم وللفضيلة. لكن الدين لا يلغي العقل ولا الفكر، وإذا كان القرآن كاملاً وحاوياً لكل الحقيقة. فإن العقل البشري محدود المعرفة وهدف العقل البشري هنا يكون في توظيف الحقائق العلمية لتصبح دلائل على ثبات النص وشمولية القرآن. وليس في توظيف القرآن والدين، لكبت العقل عن الانطلاق والفكر عن البحث والتفكر!! فلقد نهى القرآن الكريم عن الانصياع بقوله:
F ﵟبَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ ٢٢ﵞ ﵝالزُّخۡرُف : ﵒﵒﵜ F.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى