الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

العقل حسين أحمد أمين

العقل حسين أحمد أمين

لم يعد الإقبال على معرض الكتاب كما كان في السابق، فعاماً بعد عام تتضاءل نسبة المترددين على المعرض وتتراجع، وسنة بعد سنة يشح حجم التنوع في الكتب، وتتقلص المواد المطروحة لتصبح مجرد إرشادات في فنون الطبخ والمطبخ، وفي الوقاية من الجن والعفاريت وفي علم التنجيم وقراءة الأبراج والطالع، أما أطفالنا الصغار فلا تحتوي معروضاتهم على غير كتب التلوين والرسم.
الأسباب في ذلك التراجع المخيف في الإقبال على معرض الكتاب هي الأسباب نفسها التي أدت إلى تراجع الثقافة، والإبداع والطرح الجريء بشكل عام، وإلى تدني مستوى التعليم والوعي والمبادرة لدى المواطن الكويتي عموماً، وهي أسباب تتعلق بتقلص حرية التعبير والفكر لدى الفرد الكويتي، وتقييدها بقيود سياسية واجتماعية أدت ولا شك إلى أزمة ثقافة وإبداع وتميز سيطرت على حركة الفكر والتعبير في الأعوام العشرين الماضية.
لقد قامت الرقابة بحجب بعض الكتب القيمة في معرض الكتاب الأخير، ككتاب “أوضاع العالم” للدكتور حسين الشريف وكتاب “الفساد والاقتصاد العالمي” و”حرب المياه في الشرق الأوسط”، بالإضافة إلى “الأعمال الكاملة” لفاروق جويدة وأيضاً كتابين في تكريم “عكاشة” ونزار قباني وهذا المنع بحد ذاته يشكل خرقاً لحرية الفكر التي نص عليها دستور 62 والتي تعتبر أحد مكتسبات النهج الديمقراطي في الكويت.
إن أفضل ما قيل في حرية الفكر كان في مقال نشرته جريدة “الحياة” في عددها الصادر بتاريخ 11 أغسطس 2000 للمفكر الكبير والكاتب المصري المبدع حسين أحمد أمين، يتساءل فيه عما إذا كانت هنالك حدود لحرية الفكر.
حيث يقدم في البداية تعريفاً راقياً، وسلساً للفرق أولاً بين المعرفة والرأي، اللذين غالباً ما ينصهران خطأ عند غالبية كبيرة من الناس.
يقول حسين أحمد أمين إن المعرفة، قد تكون في وقت من الأوقات غائبة (كجهل البشر في الماضي بقابلية الذرة للانشطار) أو قاصرة (كجهلنا اليوم بسبل علاج السرطان والإيدز) أو حتى خاطئة (كظن الأوائل أن الشمس هي التي تدور حول الأرض)، غير أنها دائماً في سبيل التطور حتى تغدو ثابتة لا يختلف عليها اثنان غير أن الرأي يترجح بين الصحة والفساد، والتصديق والتكذيب، وكثيراً ما يكون غير قابل لأن يجتمع عليه الناس، وأن يكون موضع الجدل والنزاع والإرهاب والقتال.
لذلك، فإننا حين نتحدث عن حرية الفكر فإنما نعني بذلك حرية التعبير عن الرأي لا حرية البحث عن المعارف العلمية والتصريح بها! ولكن لماذا تعارض مجتمعات كثيرة كمجتمعاتنا حرية الفكر، وتحاربها وتخشاها فئات وجهات كثيرة، وكما حدث في معرض الكتاب الأخير في الكويت؟ والإجابة يلخصها المفكر حسين أحمد أمين في ثلاثة أسباب:
أولها أن عقل الإنسان العادي كسول بطبيعته وأفكاره يقبلها عادة من البيئة المحيطة به من دون مناقشة، فهو يعارض غريزياً كل ما من شأنه أن يخلخل النظام الثابت في عالمه المألوف، والفكرة الجديدة تحتم ضرورة قيامه بإعادة ترتيب أفكاره وهو أمر شاق.
وثانيها؛ ذلك الخوف من أن تؤدي الأفكار الجديدة إلى تهديد المجتمع وأسسه بالنظر إلى ما تعنيه من ضرورة إدخال التغيير والتعديل على النظم السائدة فيه.
أما ثالثها، فهو أن الأفكار الجديدة تهدد مصالح شرائح قوية من المجتمع، كتهديد مبادئ الثورة الفرنسية للطبقة الأرستقراطية، والماركسية للطبقة البرجوازية، وهي طبقات ترتبط مصالحها بالنظام القائم، وبالأفكار التي يستند إليها هذا النظام، لذا صار من المؤكد أن تلقى هذه الأفكار معارضة قوية من تلك الشرائح.
ويرى المفكر حسين أحمد أمين أن العقل إنما يخون طبيعته أو وظيفته إن هو قبل الحدود التحكمية أو القيود المفروضة على حريته، وتأكيد العقل لحقه المطلق في النظر في كل الأمور هو ما يعرف بالعقلانية، وما إدانة البعض لهذه العقلانية إلا من آثار الصراع الطويل والمرير بين العقل وبين أولئك الذين يخشون إثارة عقولهم أو مواجهتها، إما لطبيعتهم الكسولة أو لخوفهم الغريزي من التغيير، أو لارتباط مصالحهم بالشرائح المعادية للعقلانية.
فيبقى إذاً على منظمي معرض الكتاب أن يختاروا أي فئة ينتمون إليها! أما أهل العقل فما عليهم إلا أن يلجأوا إلى ما تجود به قريحة المفكرين والمبدعين مثل حسين أحمد أمين الذين إذا فكروا أبدعوا فأثروا.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى