العراق ورمز الخلاص

العراق ورمز الخلاص
هناك تشابه ملحوظ بين الوضع في البوسنة.. وبين ما هو قائم الآن في العراق!! فبخلاف التزامن النسبي بين الحالتين.. حيث تفجر الوضع في سراييفو.. بعد عام واحد.. من غزو النظام العراقي للوطن.. ودخول العراق بذلك في أزمة الحصار الدولي!! هنالك أيضاً عامل التوقيت الزمني الذي جاء مع انتهاء الحرب الباردة!! فكلا الوضعين لم يكن بالإمكان قيامهما.. إبان مرحلة الاستقطاب بين الشرق والغرب!!
وقد ظهر ذلك التشابه واضحاً من خلال حديث “وارن كريستوفر” وزير الخارجية الأمريكي.. الذي نشرته جريدة “القبس” مؤخراً!! حيث يرى الوزير الأمريكي وجوب عزل العراق.. إلى أن يحدث تغيير في حكومته!! وهو بذلك يأمل بأن يحدث تغيير.. في حكومة العراق.. وإن كان لا يرغب في التنبؤ بكيف أو متى يحدث ذلك!! ودون ذلك التغيير.. سيستمر العزل.. ولن يُسمح للعراق بالعودة إلى المجتمع الدولي (المتحضر)، على حد تعبير الوزير الأمريكي!! ولا يعلم أحد بالطبع.. كيف يتصور الوزير الأمريكي أن يتمكن العراق بظروفه الآن.. من تغيير حكومته!! خاصة وأن الشائعات قد خرجت أكثر من مرة.. مؤكدة تورط المخابرات الأمريكية في إخماد محاولات قامت فعلاً لتغيير النظام القائم في بغداد!!
أن يطلب من الشعب.. أو حتى من الجيش في العراق أن يقوم بمهمة تغيير الحكومة الآن.. هو تماماً كالطلب الدولي المستمر لإنهاء القتال في البوسنة!! حيث يُعطى الصرب شرعية قانونية لإبادة المسلمين.. المطلوب منهم الصمود.. والإذعان للقرار الدولي الناص على حظر السلاح عن المسلمين.. خشية إشعال الموقف.. وتأزم أكثر للوضع في البوسنة!! فلا يبقى بذلك أمام المسلمين سوى الاحتضار أمام الاندفاع الصربي وتفوقه.. ولا يبقى أمام العراق.. سوى الانهيار والموت البطيء!!
مشكلة العراق التي تواجهها الآن في سبيل تغيير حكومته هي مشكلة واجهناها جميعاً في هذا الوطن.. إبان فترة الغزو البغيض!! مشكلة تمثلت في اضطرارنا إلى إعادة النظر في جميع ما بحوزتنا من مثاليات ومن وطنية.. استقيناها عبر فترات التوافق العربي والذي جمع الأمة العربية في فترة ما بعد حركات التحرر والاستقلال!! نضالنا وجهادنا في هذا الوطن إبان أزمة الاحتلال.. كان في محاولتنا التوفيق بين رموزنا العربية وشعاراتنا الوطنية.. وبين رمز الخلاص والحرية.. الذي أصبح يمثله الغرب.. وأمريكا بالذات.. مع كل ما تحمله من صفات معادية للوطنية والحرية!! وبحيث أصبحنا جميعاً ندور في دائرة المهم.. والأهم.. ونلوذ إلى منطق الحاجة.. والضرورة.. ومبيحاتها.. نستلهم مبرراً مما كان قائماً آنذاك!! كنا حينها.. أسرى العدو والبحر.. الذي دفع صلاح الدين وجيشه إلى المجابهة!! وبين أن نكون أو لا نكون.. أصبحت أمريكا رمزاً للخلاص.. وللحرية!!
العراق الآن.. في مواجهة تشبه إلى حد كبير ما واجهناه نحن إبان أزمتنا العصيبة!! فبعد أن انقضى كل هذا الزمن.. جاع فيه نصف العراق.. ومات نصفه الآخر!! وبعد أن انشغل شماله الحر في قتال مرير شرس قد يطول أمده!! تتدافع التساؤلات الملحة.. من سيخلص العراق!! ومن سينهي أزماته المتفاقمة!!
المعارضة العراقية في المنفى.. منشغلة بصراعاتها.. وبهاجس الديمقراطية في العراق!! وها هي صحيفة “رسالة العراق” الناطقة بلسان الشيوعيين العراقيين.. تتحدث في افتتاحية عددها التجريبي الصادر في الشهر الماضي في لندن.. تتحدث عن إشاعة روح الجدل وتطويره بالمزيد من الانفتاح النقدي وتعددية الأفكار والمواقف والاجتهادات والحوار الواسع حول الإشكاليات والقضايا.. مستندة إلى المنهجية العلمية.. إلى الديمقراطية.. كما تؤكد حرصها على إعطاء حيز للإبداع الأدبي والفني.. وإضاءة قيم الحق والجمال والحوار!!
وها هو الشمال المحرر.. يسعى إلى ترسيخ الصراعات القومية والطائفية.. بين من هو سني.. وشيعي.. وبين من هو كردي.. وعربي!! وها هو العالم العربي.. يبادر على استحياء.. لقبول العراق بحكومته.. وبجلاده!!
باختصار.. العراق بمعارضيه.. وبشعبه أصبح موقناً بوجوب التدخل الدولي لإنهاء أمته!! بعد أن أصبح الخيار الوحيد المطروح في مقابل ذلك.. الموت جوعاً.. والفناء عذاباً!! وهو خيار يفرضه الواقع الدولي الحاقد.. والمتمثل بالسيادة الأمريكية البحتة!! والعراق بشعبه يدرك حدود المقدرة الأمريكية في إنهاء أزمته.. والتي تطال المسرح العراقي بكافة أرجائه!! فهو محاصر بتلك المقدرة شمالاً وجنوباً!! والطيران الأمريكي ينطلق حراً في سماء محاصرة!!
لكن الأمر على ما يبدو أن ما بين العراق.. وانتهاء أزمته تكمن قضايا أخرى.. لا علاقة لها بالإذعان العراقي للإرادة الدولية.. ولا بإيمان الشعب العراقي بالعروبة والوطنية.. والتي لا يبدو أن شيئاً منها قد بقي عالقاً في الرءوس الجائعة!!
وما على الشعب العراقي.. سوى أن يبقى جائعاً.. خائفاً.. إلى أن يستجد أمر في السياسة الدولية.. يُمنح فيه الحق الشرعي في الحياة.
