العراق… بين المأساة والمهزلة

العراق… بين المأساة والمهزلة
في كل مرة يخرج فيها قطب من أقطاب الرعب والبطش والدماء، هارباً إلى خارج العراق، تتنافس الآراء والتحليلات في التنبؤ بمقدرته على قيادة حرب التغيير في العراق، وعن مدى صلاحيته لملء شاغر البديل لرأس النظام العراقي.
فعندما خرج حسين كامل متجهاً إلى الأردن وشرح في مؤتمره الصحفي آنذاك أسباب خروجه عن دائرة النظام، تساءل الناس وفي كل مكان، عن احتمال تنصيبه بديلاً لصدام حسين.
وعندما تحدث وفيق السامرائي سواء في البرنامج التلفزيوني الذي بثه تلفزيون الكويت، أو من خلال كتبه التي نشرها. نقول عندما تحدث مديناً صدام حسين ومنتقداً سياسة الحزب الحاكم ثار النقاش حول احتمال كونه البديل القادم!!
وقد لا يخفى على أحد أن وفيق السامرائي كان رئيساً للاستخبارات العسكرية وعضواً فعالاً في حزب الخوف والبطش، خاصة أثناء الحرب العراقية – الإيرانية. كما كان حلقة في دائرة صدام حسين العنيفة والقريبة جداً، وذلك قبل أن يهرب منذ ما يقارب ثلاثة أو أربعة أعوام لاجئاً إلى دمشق!!
قضية التغيير في العراق، لا شك هي قضية معقدة ومتشعبة، وسيشمل تأثيرها كل دول المنطقة بلا استثناء، ومن هنا فإنه من الصعب بمكان، اختزالها في مجموعة أفراد، مهما كان ثقلهم، ومهما بلغت طموحاتهم ووعودهم.
إن مسألة التغيير بشكل عام، سواء بالنسبة إلى حالة العراق أم غيره، هي مسألة لا تزال غير ناضجة في أذهان الأطراف كلها، سواء كانوا معارضة وأحزاباً وتكتلات سياسية، أم أفراداً ومواطنين عاديين.
وهو أمر أدى بصورة مباشرة، إلى كل هذه الإخفاقات التي شاهدناها ونشاهدها في كل حركات ومحاولات التغيير في عالمنا العربي.
يقول “كارل ماركس” في مدخل كتابه المعروف “برومير الثامن عشر لويس بونابرت” للمقارنة بين بونابرت العم، وبونابرت ابن الأخ، بين هاتين المصيبتين اللتين ابتلي بهما الشعب الفرنسي في نهاية القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر، بين انقلاب بونابرت في عام 1799 وانقلاب لويس في عام 1851، يذكر ماركس ما يلي: “يقول هيغل في مكان ما إن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر إذا جاز القول مرتين، وقد نسي أن يضيف: المرة الأولى كمأساة والمرة الثانية كهزلة” (انتهى).
فإذا كان صدام حسين مأساة بالنسبة إلى العراق وأهله، وإلى شعوب المنطقة ودولها. فإن هؤلاء الرافضين والقافزين بين صف النظام وصفوف المعارضة، هم بلا شك مهازل لن توفر للعراق مستقبلاً أفضل.
التغيير ليس أفراداً، وإلا لكان مسألة في غاية البساطة، فهو يشترط بداية، ظروفاً اجتماعية واقتصادية محددة، يخدمها العامل التراكمي بشكل أساسي. وهي ظروف بلا شك أصبحت متوافرة في عراق اليوم، تنتظر معالجة ناضجة وتناولاً جدياً خالياً من أي طموحات قيادية فردية.
وهو أمر قد لا يخفى على أقطاب المعارضة العراقية. والتي بات عليها، إن كانت صادقة وجادة في تغيير الوضع القائم في العراق، أن تستثمر ذلك المخاض العراقي، وتدفع به إلى ولادة سليمة آمنة.
أمام المعارضة العراقية اليوم، واجب وطني يخلصها من حالة الاغتراب التي تعاني منها، ويدفع بها إلى قلب المخاض والألم الجماهيري العراقي لتستنهض الأفراد وتدفع إلى تعبئة الجماهير نضالياً. فهؤلاء هم أدوات التغيير الحقيقية، وهم في نهاية الأمر أصحاب المصلحة في أي محاولة للتغيير.
لعلَّ المشكلة الأساسية لأقطاب المعارضة العراقية، تكمن في أنها لم تقدم شيئاً بعد يميزها عن صدام حسين، وصراعاتها الداخلية فيما بينها تؤكد يوماً بعد يوم، أن ليس هنالك جديد يذكر بين وضع صدام حسين الراهن، وبين طموحات وأحلام المعارضة المسقبلية.
المطلوب من المعارضة العراقية اليوم، أن تتفهم شروط التغيير، وأن تدرك أنها ليست أدوات التغيير الوحيدة وأن عليها أن تستلهم من المخاض العراقي الراهن مخرجاً يدفع إلى تغيير مستقبلي، لا يعيده انقلاب ضابط فوق دبابة إلى نقطة الصفر.
