العراق بين الصوت والصورة!!

العراق بين الصوت والصورة!!
كيف يمكننا أن نفسرالهدوء الذي يسيطر على المناخ السياسي العام في هذا الوطن على الرغم من كل التصريحات الأمريكية المتشددة لبغداد بسبب إيقافه العمل مع اللجنة الدولية الخاصة ينزع أسلحة الدمار الشامل العراقية!!
هو إذاً هدوء إذا ما قورن بحالة الفزع والفوضى التي اجتاحت المواطنين في الشتاء الماضي، وبحالة الترقب التي عبر عنها العالم بأسره، تجاه احتمالات التدخل العسكري الدولي آنذاك لحسم الوضع القائم في العراق!
اختلاف تفاعل العالم تجاه أحداث الشتاء الماضي، والشتاء الحاضر، ليس بسبب تبدل أو تغير في الموقف الدولي، ولا في الرأي العام العالمي تجاه نظام صدام حسين، بقدر ما هو انصياع منطقي وطبيعي لآلة الإعلام التي أصبحت بمداها وفاعليتها الجبارة لا تقل فعالية ولا أثراً عن آلة السلاح!! وبحيث أصبح الإعلام نفسه مدركاً وبفخر كبير، للقوة التي أصبح عليها بفعل تكنولوجيا العصر الحديث!! حتى أن فيلماً أمريكياً قد ترجم تلك القوة والنفوذ للإعلام بصورة جعلت المشاهدين له يشككون في قدراتهم على الاستقلال برؤاهم من دون أن تسيطر عليها آلة الإعلام بصورة قد تمسخ أو تطبخ ما يشاء لها من حقائق!! الفيلم هذا يدور حول رئيس أمريكي يجد نفسه في مواجهة فضيحة جنسية أخلاقية، بينما هو يتهيأ للبدء في حملته الانتخابية لمنصب الرئاسة مما يدفع بمستشاريه للاستعانة بالآلة الإعلامية لتغطية ذيول تلك الفضيحة ريثما ينتهي الرئيس من حملته الانتخابية تلك!! وبالفعل يبدأ إعلام الرئيس بافتعال حرب مع دولة أخرى، تبدو بخدعها الإعلامية، ومؤثراتها السينمائية كما لو كانت واقعة فعلاً!! ويصور الفيلم درجة نفوذ آلة الإعلام، حيث يتفاعل الناس مع أحداث الحرب المفتعلة، بصورة أدت إلى تهميش كل القضايا الأخرى، وبما فيها فضيحة الرئيس الأخلاقية!! بل ولا يتوانى الفيلم عن بث الشكوك في حقائق وقعت بالفعل، كحرب الخليج الثانية مثلاً، ويُشير حوار من الفيلم إلى مدى ضمانات واقعيتها، وعما إذا كانت قد خضعت بأي شكل أو صورة لمؤثرات إعلامية مشابهة لما حدث في الفيلم!! لعل الهدوء النسبي لآلة الإعلام تجاه الأحداث هذه المرة، هو الذي يروج لاحتمالات مضاعفة تجاه العمل العسكري ضد نظام العراق!! فالسلاح الإعلامي قد أدى الدور المطلوب في أحداث الشتاء الماضي من خلال انصياع النظام العراقي لشروط المجتمع الدولي آنذاك!! وتقلص هذا الدور في الشتاء الحاضر يدفع بالتكهنات القائلة باحتمال الاستعانة بالسلاح العسكري لتحقيق الأهداف نفسها أي الانصياع العراقي للشروط الدولية!!
والمأزق الحقيقي هنا ليس في طبيعة أدوات الضغط، إعلامية أم عسكرية، بقدر ما هو في تدني طموحات المجتمع الدولي حول درجة الانصياع العراقي للشروط الدولية ومداها!! فالمشكلة الحقيقية التي باتت تثيرها مراوغات ومناوشات كهذه، هي في كونها كلقاح التطعيم الذي يجعل صدام حسين مدركاً لحدود ومخاوف المجتمع الدولي تجاه حسم الموقف في العراق!! وهي قضية أثارها المجتمع الدولي حين عزف عن دخول بغداد إبان حرب الخليج الثانية، على الرغم من كل الفرص المتاحة آنذاك، وأيضاً تثيرها وبصفة مستمرة مراوغات موسمية كالتي نحن بصددها الآن!!
لعلّ أزمة العراق الحالية، ليست في استمرار نظام صدام حسين وحسب، بل هي في طبيعة شروط المجتمع الدولي لحسم المعاناة العراقية!! فالعالم قد لا يُجاهر بحقيقة شروطه تلك، وإن كان يعبر عنها ضمناً من خلال أسلوبه في التعامل مع الوضع في العراق!! فبينما يُصر المجتمع الدولي على رفض أية درجة من الألم في حسم الموقف بالعراق، يأتي الوضع العراقي أكثر تعقيداً وبصورة تشترط الألم والعنف في سبيل الحسم!!
ومن هنا فإن اختلاف الأدوات الدولية لمعالجة المأزق العراقي الراهن، لا تعني اختلافاً حول طبيعة التغيير المطلوب في العراق!! وسواء كان سلاح الإعلام، أم كان سلاح الحرب فإن الأمر في خُلاصته لا يعدو عن كونه خداعاً إعلامياً يعج بالمؤثرات الصوتية والبصرية..
وإذا كان الصوت هو سيد الموقف في الشتاء الماضي، فإن الصورة قد تكون هي السيدة في شتائنا الحاضر.
