الأرشيف

العراقي المحتل في المنهج التعليمي

[جريدة القبس 30/4/2003]

بعد أن انتهت الحرب العرقية والإثنية في يوغسلافيا السابقة عقدت بعض القيادات التعليمية اجتماعات مكثفة هدفها عدم إقحام تداعيات الحرب في المناهج التعليمية، أو الإشارة إلى حالة العداء بين الكروات والصرب في أي مقرر دراسي!ِ إيماناً منهم بأن الموضوعية في مثل هذه القضايا السياسية مسألة غاية في الصعوبة! وانطلاقاً من حرصهم على موضوعية الطرح العلمي لما يتعلق بوضع المناهج الدراسية بشكل عام.
عقول واضعي المناهج في الكويت تختلف، وبكل أسف عن عقول أقرانهم في يوغسلافيا السابقة، ففي لقاء أجرته جريدة “الوطن” أخيراً مع بعض مدراء المناطق التعليمية أصر فيه هؤلاء على عدم المس بالمناهج التعليمية، حتى وإن تغيرت الظروف التي كانت قائمة في السابق! فبينما قال مدير منطقة الأحمدي التعليمية “إن المناهج الحالية جيدة ولن تغير حالياً، ولكن يمكن توظيف سقوط نظام بغداد من خلال الأنشطة الصيفية ومن خلال المسابقات والصحف الطلابية”، قال مدير عام منطقة الجهراء التعليمية إنه شخصياً مع مبدأ عدم التسرع في تغيير المناهج تحت أي ظرف من الظروف، مؤكداً أن موضوع تغيير المناهج موضوع حساس في الفترة الحالية، ويجب عدم مناقشته الآن”!
وكلا الطرحين يختلف معهما أكثرية العاملين في الحقل التعليمي بالإضافة إلى أولياء الأمور، فالمناهج، خاصة اللغة العربية والدين، تحتاج إلى تغيير جذري ونسف من أساساتها التي خلقت جيلاً من المرددين والحفظة العاجزين عن استيعاب أو فهم ما يرددونه أو توظيفه بصورة صحيحة ومثمرة! هذا بالإضافة إلى ما زج في مناهج اللغة العربية والدين في أعقاب غزو النظام العراقي من مواضيع جدلية وعقيمة، تفتقد الموضوعية والطرح العلمي والأكاديمي المطلوب في وضع المنهج الدراسي، خصوصاً لمراحل التعليم الأولى والأساسية!
كانت الأشهر السبعة التي اعتقل فيها جميع من في الكويت قاسية، لا تستطيع الألفاظ أن تصور قسوتها، فقد كنا نعيش بدون نظام ينظم حياتنا، إذ كان أي فرد من أولئك القطعان يمكنه أن يفعل كل شيء، يمكنه أن يسلبك ساعتك أو سيارتك أو أي شيء تملكه، وإذا منعته عن ذلك فبإمكانه أن يعتقلك، ما يعني أننا كنا نحيا حياة شبيهة بحياة الغاب، تفتقد قريبك أو جارك مدة كثيراً ما تطول، وقليلاً ما تقصر، ثم إذا ما التقيت به وسألته، فإنه لا يجيبك عن كل ما حل به لشدة ما به من خوف. قال لي أحدهم: كل ما عليّ من ذنب، أني نمت في بيت أحد أقاربي في “الروضة”، وأنا من سكان “العديلية”، فأخذونا إلى نادي كاظمة الرياضي الذي أصبح محلاً للاعتقال والتعذيب، خرجنا يوم التحرير لا نلوي على شيء، لا نقصد مكاناً معيناً، فكل مناطق الكويت كانت لنا مقصداً، لأنها كانت قبل التحرير ملوثة بمخلوقات، من الظلم أن نسميها إناساً”.
ما سبق كان مقطعاً نموذجاً لما تمتلئ به مناهجنا التعليمية من ترسيخ مستمر لفكرة العراق (العدو) في أذهان صغار لم يعيشوا أساساً فترة الغزو! وهو أمر لا يتناقض مع موضوعية الطرح العلمي والأكاديمي وحسب وإنما يخلق جيلاً من الحاقدين والمعادين بصورة قد تلاحقهم وتستقر في نفوسهم، وتنعكس على تعاملاتهم مع الآخرين بصورة غير صحية وغير منطقية! وإذا كانت مرحلة الغزو قد خلفت في نفوس الكبار جرحاً وألماً، فإن من اللاعدل بمكان أن نزرع ذلك الجرح في نفوس الصغار المقبلين على مستقبل ستتبدل فيه الكثير من العلامات السياسية، وتتحول فيه دفة العلاقات الدولية والإقليمية!
نحن الآن مقبلون على مرحلة حاسمة سيقرر تعاملنا معها مستقبلنا لعشرات السنين المقبلة! نحن نتحدث الآن عن العراق الشقيق، والشعب العراقي المظلوم، ونستعجل مهام الإغاثة والعلاج لأشقائنا في العراق، ونكون اللجان والجمعيات المناصرة للشعب العراقي والمطالبة بإعادة روابط الأخوة، لكننا نناقض هذا وبصورة مربكة لعقول أبنائنا بما تؤججه مناهجنا التعليمية من روح عداء وكراهية للعراق وأهله! وتجعلنا نخجل من دعوة بعض القائمين على العملية التعليمية المصرة على عدم تغيير المناهج الحالية، والاحتفاظ بصورة العراقي المحتل والعراق العدو حتى بعد أن تغيرت المعادلة السياسية!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى