العبادة الخرافية للعظماء!

العبادة الخرافية للعظماء!
في العاشر من نوفمبر عام 1877 وجّه كارل ماركس رسالة إلى ولهام بلوس يقول فيها: “لسنا، لا أنا ولا إنجلز على استعداد لدفع أي ثمن من أجل استدراج الشعبية. إليك برهان على ذلك فقد رفضت خلال وجود الأممية رفضاً قاطعاً بسبب اشمئزازي من كل عبادة للفرد، السماح بنشر أي من الرسائل التي كانت تردني من البلدان المختلفة، وفيها تمجيد لكفاءاتي. ولم أكلف نفسي عناء الرد عليها، باستثناء بعض الحالات النادرة التي أجبت فيها عن بعض هذه الرسائل وقرّعت مرسليها. وعندما انتسبنا، إنجلز وأنا لأول مرة إلى الجبهة السرية للشيوعيين، فقد تم ذلك بشرط منا غير قابل للجدل، يقضي بإلغاء أي نص في النظام الداخلي للجبهة من شأنه أن يُسهم في تكريس العبادة الخرافية للرجال العظام”.
ما قاله ماركس هنا ينطبق على مجتمعاتنا العربية بشكل كبير، فهي – أي المجتمعات – ترسخ ثقافة تأليه الأفراد، وبشكل أدى إلى زراعة دكتاتور في كل مجتمع عربي، ليس على المستوى السياسي وحسب، وإنما على كل المستويات، فصدق فينا القول إننا كمجتمعات تخلق دكتاتورييها وتؤمن لهم خلودهم في السلطة!
لقد عانت المجتمعات الأوروبية الغربية طويلاً من ثقافة عبادة الأفراد، وظهر في تاريخها دكتاتوريات قادتها إلى حروب طاحنة، وذلك قبل أن تدرك أن الزعامة إن كانت في فرد فإنه حتماً سيتحول إلى دكتاتور، فكانت البداية للخروج من هذا النفق بترسيخ المؤسسات، ولتكون الزعامة بيد مؤسسة للحكم وليس فرداً، والتشريع بيد مجموعة ممثلة للشعب، وليس حكراً على فرد مهما بلغ من الحكمة والإخلاص!
العالم اليوم بأكمله مقبل على حقبة المؤسسات الحاكمة، وليس الأفراد، والتغيير في العالم العربي اليوم بثوراته يشير – ولا شك – إلى دعم الولايات المتحدة والغرب لمثل هذا التحول المؤسسي العربي، وذلك بعد أن اتضحت التكلفة الغالية لدعمها للزعامات الفردية، كان ذلك واضحاً وجلياً في العراق ومصر وليبيا وغيرها من الدول المقبلة على مثل هذا التحول السياسي الجوهري!
الهرمية التقليدية في المجتمعات البشرية لم تعد صالحة أو متوافقة مع معطيات العصر ولا مع تحولاته، وعصر الزعامات الفردية أصبح مرفوضاً من القيادات الشبابية التي تقود الشوارع والساحات العربية اليوم! ولعل الأزمة التي سيواجهها هؤلاء الشباب تكمن في أن هذه الهرمية لا تزال مسيطرة على ثقافة المخضرمين في المجتمعات العربية، وهو ما يؤدي أحياناً إلى عجز البعض عن فهم المخطط الشبابي ورؤيته.
لم يعد هنالك أفراد عظام في الأجندة الشبابية، وإنما أعمال عظيمة، وفرق شاسع بين الاثنين، فتقديس الأفراد أثبت أنه خرافة، بينما يأتي تقديس الأعمال ليشكل منهجاً وواقعاً يسير عليه الجميع!
