الأرشيف

العالم.. والفراغ الأخلاقي

[جريدة القبس 23/1/1995]

وسط تناثر الجثث الآدمية وتدفق أنهر الدماء البريئة!! يقف إنسان العصر حائراً، يطمح إلى محاولة للفهم تعينه على استيعاب ما يحدث، وتساعده على الاستمرار في عالم بلغ منه الجنون أقصاه!! وأصبحت فيه النفس البشرية أرخص ما يدب فوق أرضه!!
ليس بجديد على شعوب الأرض أن تتصارع وتتقاتل!! فالصراع كان دوماً عنصراً أساسياً في علاقات البشر في ما بينهم!! لكن الجديد هو ذلك التفوق التكنولوجي المخيف والمسخر في إدارة الصراعات والنزاعات الحديثة، والذي أصبحت بسببه الإبادة البشرية تتم بـ”الريموت كنترول” والمواجهة العسكرية بواسطة الأقمار الصناعية!! وهو أمر ألغيت معه كل أخلاقيات الصراع والنزاع القديمة، ولم تأت بأخلاقيات تعيننا كبشر على فهم مبررات ومسببات الصراعات الحديثة!! فعلى الرغم من الدموية التي اتسم بها القتال في “غروزني” العاصمة الشيشانية، إلا أنها لا تزال تعتبر، في نظر الأخلاقيات الدولية المشوهة، قضية داخلية لا تخرج عن كونها تهديداً وإرباكاً (للديمقراطية الروسية) التي عمدها وباركها العالم الغربي!! بل وحتى على نطاق العالم الإسلامي… والذي لم يكن تفاعله تجاه قتلى المسلمين في غروزني، كما كان مع مسلمي البوسنة والهرسك!
نحن ولا شك مقبلون على مرحلة زمنية تختلف معطياتها بكل ما بحوزتنا من أفكار ورؤى ومثل!! مرحلة بلغ فيها النمو التكنولوجي أقصاه، وأصبح العلم مسخراً في خدمة الحروب والقتال بشكل لم تشهده البشرية من قبل!! بل وأصبح الحديث شائعاً عن قنبلة نووية تأتي بحجم كرة “البيسبول” وبتكلفة زهيدة، تمكن رجال العصابات وأباطرة المافيا من اقتنائها!! العالم بأسره يقف الآن في مواجهة مصيرية مع أخلاقيات لم تعد قائمة.. ولا متفقة مع ما يحيط به من واقع!! مما خلق فراغاً أخلاقياً سلب البشرية من أدنى المعالم الأخلاقية، والتي تؤطر صور وأساليب وأخلاقيات التعامل في ما بينهم!!
العالم الآن في حاجة إلى ثورة أخلاقية، يعيد فيها البشر كتابة الأخلاقيات التي تحكم تعاملهم وتصارعهم فيما بينهم!! العالم الآن.. بحاجة إلى فيلسوف يعينه على الفهم نظرياً بعد أن أخفق عملياً!! ففي كل المراحل الانتقالية التي عبر بها البشر كان للمنظرين والفلاسفة دور بارز في معالجة القضايا البارزة في مجتمعاتهم!! فها هو نيتشه، نتاج القرن التاسع عشر، يثور ثورة عارمة على الأفكار والعادات كافة التي كانت معروفة في عصره!! واستطاع أن يخاطب الذات الإنسانية بصدق واتزان.. وأن يصيغ تفسيراً منطقياً للفوضى التي عمت أوروبا في واحدة من أشرس المراحل الانتقالية في تاريخ العالم الغربي، حيث اختفت طبقات كاملة وظهرت طبقات جديدة، لم يكن لها في خضم الإقطاعيين والنبلاء أي وجود اجتماعي يجسد وجودها وكيانها السياسي!!
وها هو الفيلسوف الألماني هيغل يجسد الوعي الكامل للعصر الذي عاش فيه، حتى أن فلسفته، أصبحت لا تفهم إلا بالرمز في الوقت الذي ظهرت فيه!! واستطاعت أن تفسر للناس آنذاك النزعة “البروسية” في عبادة الدولة… حيث كان هيغل يرى أن العقل هو الحاكم المسيطر في الدنيا، وأن تاريخ العالم يمثل حركة عقلانية!! ومهما كان الرأي مختلفاً مع “هيغل” إلا أنه استطاع أن يفسر الجذور الأخلاقية في عبادة الدولة، والتي كانت أساساً في قيام المجتمع الألماني النازي!! قبل أن تسقطها الفلسفة الماركسية في تصورها لمجتمع بشري هائل يخوض صراعاً للخروج من عبودية الدولة!!
وكما أعانت تلك الفلسفات شعوب الأرض من قبل على تقبل واقعهم، فإن العالم الآن في حاجة إلى تضاريس فلسفية وأخلاقية، تعينه على فهم واستيعاب معالم المرحلة الانتقالية السائدة الآن.. خاصة بعد أن سقطت نظرية حقوق الإنسان، لكونها تتسم بمثالية لا تتوفر في عصر تجزأت معه الحقوق البشرية، واتخذت شكلها الهرمي!! كما عجزت “البراغماتية” المنفعية على كبح جماح الطرف الظالم القوي الذي استنزف المظلوم وأجبره على قبول (الأمر الواقع)!!
لكي نفهم لماذا يموت نصف العالم جوعاً ونصفه الآخر تخمة وشبعاً!! ولكي نعذر العالم حين يقف على قدم واحدة لإعادة رفاة جندي، بينما يدفن الآلاف أحياء!! ولكي نستوعب إبادة مدينة بسكانها حفاظاً على (ديمقراطية) شرهة!! نحن بالفعل بحاجة إلى فيلسوف.. يملأ شاغر الفراغ الأخلاقي!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى