
استضافت الكويت في الأسبوع الماضي عالماً من العلماء الذين سخروا طاقاتهم وجهودهم في سبيل إثراء المسار البشري والنهوض بالإنسان ككائن ميزته الطبيعة عن سواه من الكائنات، وحبته القدرة الإلهية عقلاً جعله سيد الأرض وحاكمها.
لا يملك الدكتور أحمد زويل أكثر مما يملكه أي إنسان كامل وعاقل، لكن تميزه هذا الذي أهله للحصول على جائزة نوبل وغيرها من الجوائز التكريمية والألقاب والكراسي الأكاديمية هو الذي يفتقده الفرد، خاصة في وطننا العربي الممتد شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً. ففي سؤال طرحه المذيع في اللقاء التلفزيوني، الذي أجراه تلفزيون الكويت مع الدكتور زويل حول مقومات المجتمع القوي، وعن الأسس التي نحتاجها لبناء مجتمع قادر على إفراز مبدعين كالدكتور زويل واحتضانهم، أفرد الدكتور مجموعة من المقومات والأسس، جاء على رأسها التعليم، حيث أشار الدكتور إلى قضية مؤسفة ومحزنة تتعلق بالتعليم في الوطن العربي، خاصة عند مقارنتها بدول “عالم ثالث” كالصين وشرق آسيا، حيث يذكر الدكتور أن تلك الدول قد نجحت، على الرغم من كل الظروف المحيطة والمشابهة لظروف العالم العربي، في خلق مجتمع قوي صناعي ومنتج لأنها نجحت أولاً في القضاء على الأمية وفي نشر التعليم بالدرجة الأولى فبينما يبلغ عدد الأميين العرب، الذين لا يتقنون القراءة ولا الكتابة ثمانين مليوناً من بين مئتي مليون عربي، يتراجع هذا الرقم في تايوان، على سبيل المثال، ليصبح واحداً أو اثنين في المئة فقط، ولنا أن نتخيل المعطيات والظروف الناتجة عن سيطرة الأمية بهذه الصورة على المجتمع العربي. كما يستعرض الدكتور زويل الانتظام واحترام العمل كأحد مقومات المجتمع القوي، فاحترام المواعيد والدقة في العمل من الأمور التي نفتقدها بشدة في عالمنا العربي، والتي أدى تفشيها وسيطرتها على السلوك العملي إلى ما نشهد ونعيش من واقع متردٍّ وبائس.
والسؤال الذي يطرحه كل واحد منا هنا هو: هل كان بإمكان الدكتور أحمد زويل أن يحقق ما حققه، أو أن يصل إلى ما وصل إليه لو أنه بقي في عالمه العربي أو عمل في مؤسساته؟ والجواب لا يحتمل منا التفكير أو التأني، فنظام التعليم لا يهدف ولا يرمي أساساً إلى تنمية التفكير والتحليل العلمي على الإطلاق، ولا نستثني من ذلك أياً من الدول العربية أو أياً من مؤسسات التعليم في الوطن العربي.
لقد أفرز العالم الجديد بعلمه وبنهضته وبتقدمه جملة من التحديات الشرسة التي أصبح على عالمنا العربي مواجهتها ومجابهتها.
ولن يكون بإمكاننا التعامل مع تلك التحديات دون إعادة النظر في جهازنا التعليمي وفي سياساتنا واستراتيجياتنا التعليمية أولاً، لكي تطرح وتثمر مبدعين وعلماء تستثمرهم دولهم بالصورة الصحيحة والمثمرة، فلقد أصبح احتضان الموهوبين والمبدعين أمراً هاماً وجوهرياً في رقي ونهضة أي أمة، ولم يعد مسألة هامشية من متطلبات الوجاهة ومانشيتات الصحف، وخطب الإذاعة والتلفزيون فقط، كما هي حالنا الآن، حيث تتجمد برامج مؤسساتنا ومعاهدنا الحاضنة للإبداع وللتميز وللموهبة عند قرارات إنشائها وإعلانها.
لا مستقبل من دون تعليم هادف، ولا نهضة من دون استراتيجيات وخطط صلبة وراسخة لرعاية العلم والعلماء، ولا إبداع من دون حضانة ورعاية، فالذي أوصل الدكتور زويل إلى منصة نوبل ليس رغبة سامية أو أمنية، بل مناخ يحترم التعليم، ويجل العلماء، ويقدس العلم، وهو مناخ يحتضن المبدعين ويقودهم إلى أكثر من طريق ودرب، كلها تقود إلى “نوبل”.
