
الذاهبون إلى لبنان الشقيق لا شك تغبطهم مظاهر الفرح والأمل، التي أصبح يتباشر بها الجميع زواراً كانوا أم مواطنين. فعلى الرغم من مظاهر الدمار التي خلفتها الحرب، وبالرغم من المباني المتهاوية، والطرقات المدمرة. إلا أن هنالك عودة جديدة للحياة لا تخطئها العين، وقد تكون عودة سريعة قياساً بزمن الحرب الطويلة التي عصفت بلبنان، مما يدفع بالجميع للتساؤل حول حقيقة ما أثير وما يثار دائماً حول حقيقة الحرب في لبنان.
لقد التهمت جذوة الحرب فيها، وعلى مدى سبعة عشر عاماً ما التهمت من بشر ومن موارد وثروات ولا نظن أننا بحاجة لأن نستعرض مسلسل الحزن والبؤس الذي حل بلبنان دولة وشعباً، حتى انتهت الحرب الآن، وانتهى معها كل شيء، وعادت معها “الطوائف” المتناحرة للعيش متجاورة وللتعامل في ما بينها كما كانت دائماً. لم تكن الطائفية إذاً وراء ذلك الجنون الذي عبث بلبنان وإن حاول البعض تكريس الطائفية كظاهرة يصعب التصدي لنارها، وكقدر مني به الشعب والوطن في لبنان، الآن توفقت النزعة والاقتتال “الطائفي” ليبرز في الأفق هدفاً سياسياً ظل بمنأى عن رصاص القناصة.
اليوم ومع الأحداث الأخيرة في الشقيقة مصر يقف المواطن العربي وجلاً من جنون آخر في بلد عربي آخر. فعلى الرغم من أن حادثة الهجوم على الكنيسة القبطية منذ أسبوعين والتي راح ضحيتها أفراداً مدنيون عزل تأتي مؤسفة إلا أنها ليست المحاولة الأولى التي تهاجم فيها مجموعات من الإسلام السياسي في مصر دور عبادة مسيحية.
وهو أمر قد دفع بالبعض لإعلان مخاوفهم من اقتتال طائفي، يدفع بمصر إلى المصير اللبناني.
لقد سبق أن استخدمت إدارات سياسية عبر التاريخ، الطائفية كأداة لإحكام سلطتها على المجتمع، ولصرف نظر الأفراد فيه عن قضايا ومشاكل حساسة ليس بوسع السلطة السيطرة عليها أو تحجيمها، وسواء كانت “طائفية” البحرين أم لبنان أم مصر أم الجزائر، فإنها في جميع تلك الحالات تأتي معبرة عن أداء سياسي ضعيف دفع بانقسام سياسي وجد ضالته في الدين والتيارات المذهبية أو عن صراع طبقي قسم المجتمع إلى فئات تملك وتعيش، وأخرى لا تملك وتموت.
ولعلَّ لنا في التاريخ الإسلامي عبرة فسننتقي منه الدروس، فلقد ساد الإسلام وصمد لاعتماده أساساً على مبدأ المساواة والعدالة اجتماعياً وسياسياً، ونبذه للطبقية وللفوارق الاجتماعية كونها أساساً للصراع والاقتتال.
حتى أن علي بن أبي طالب G قد سقط ضحية لذلك القتال والتناحر الطبقي في محاولته للتصدي لتجار قريش بزعامة معاوية، وهي الطبقة التي هذب الإسلام طموحاتها بعض الشيء، حتى إذا ما سيطر معاوية وأعلن دولة بني أمية وأشهر الوراثة بدلاً من الشورى، وتفاقم بذلك الانقسام السياسي، مما دفع بالمعارضة آنذاك لأن تلجأ إلى علي ليقيم دولة الفقراء والعدل، إلى أن انتهى الأمر، إلى معركة كربلاء والتي كانت تعبيراً حقيقياً عن مدى استعداد الطبقة الحاكمة لعمل أي شيء في سبيل الدفاع عن مصالحها السياسية، حتى وإن كان في ذلك خرق للمقدسات.
إن رفض الطائفية لا يعني أن يتخلى الناس عن مذاهبهم وطوائفهم، بل إن رفضها يعني تحذير الدولة والمجتمع من مغبة الدخول في مشروع خاسر لجميع الأطراف، فهزيمة المشروع الطائفي هي خذلان له، كما أن في انتصاره انتكاسة تخلق بؤرة انفجار، حيث إنه يأتي مبرراً للطرف الآخر “حقه الدفاعي” وإن كان في ذلك دمار للمجتمع بشكل عام.
إن المخاوف من انفجار طائفي يغتال الحياة في مصر ليس بسبب الطوائف والمذاهب التي يحويها المجتمع المصري. وإنما لأن الانقسام الطبقي خاصة في ظل سياسة الانفتاح الساداتية، قد أصبح طاغياً بصورة مخيفة تستدعي تحركاً سريعاً من مراكز القرار في الشقيقة مصر.
لا شك أن مصالح الناس هي التي تحدد مواقفهم السياسية، وبما أن المجتمع – أي مجتمع – يحوي طبقات اجتماعية متناحرة بمصالح متعارضة فإن صمام الأمان هنا يكون في إعمال التمثيل البرلماني، وسيادة الشرعية الدستورية، وذلك لقطع الطريق على أي محاولة لاستثمار التباين الطائفي في سبيل تكريس أحلام وطموحات سياسية قاصرة. ومن هنا تأتي مسؤولية مواجهة الطائفية بصيغتها الانقسامية والعدائية، لتكون مسؤوليتنا جميعاً، في لبنان، وفي الكويت، في مصر وفي البحرين، فهي مشروع خاسر للجميع، تسقط معه جميع الرقاب، طال الزمن أم قصر!!
