
يأتي التقرير الذي نشرته “القبس” في الأسبوع الماضي حول العمل الخيري، كاملاً ومتكاملاً من جميع الجوانب! وهو- أي التقرير- إن لم يكن كاملاً، فهو على الأقل يكفي لأن تقتنع الحكومة والجهات المسئولة في ضوئه، بضرورة معالجة الوضع، والتعامل بشكل جدي مع تلك المخالفات الرهيبة التي وردت في تعليق “القبس”.
التقرير جاء مفصلاً، وهو يحكي عن شقق غير مشروعة تدار خفية وبصورة سرية، وتجمع تبرعات لجمعية الإصلاح الاجتماعي، وأيضاً عن “حق” جامع استقطاعات الصدقات في الاستقطاع الأول من كل شخص يقوم بعملية الصدقة، كذلك يطرح التقرير مهزلة اختلاسات صندوق إعانة المرضى والأختام المزورة لجمعيات دينية، كجمعية الإصلاح وإحياء التراث، وجمعية العون المباشر، وعن خفايا مأساوية كثيرة!
بمعنى آخر، إن تقرير “القبس” يأتي بطرح مفصل للمشكلة على أمل أن تتحرك المؤسسات الرقابية والعقابية للمتابعة والتنفيذ!
مشكلة تجاوزات العمل الخيري في الكويت أن مؤسسات العمل الخيري تستظل بمظلة الدين ومن دون وجه حق، وهو أمر كثيراً ما جعلها بمعزل عن نفوذ السلطة العقابية، بل وحتى عن النقد على المستوى الشعبي، بحجة أن مكاتبها وعامليها يتحركون باسم الإسلام وأوامره، ولعلنا نتذكر جميعاً صعوبة تنفيذ قرار منع الحصالات والصناديق المخصصة لجمع التبرعات، وهو القرار الذي لا يزال يتمرد على قانون الدولة الرامي إلى تنظيم عملية التبرع التي كانت تتم بعشوائية وفوضى غريبة تحت نظر وسمع المسئولين!
لست من المتفائلين بأن فضائح العمل الخيري التي فاحت روائحها أخيراً ستؤدي إلى قرارات وقوانين جادة وصارمة لتنظيم وضبط عملية التبرع بشكل عام، فالعمل الخيري أصبح مسيساً بشكل رهيب. ومؤسساته أصبح لها نفوذ وسطوة تخشاهما الدولة، وها نحن بعد كل هذه الأدلة على فوضى العمل الخيري والسرقات التي تمت وتتم تحت مظلته لم نسمع بعد عن إجراء حكومي واحد لتنظيمه وضبطه.
السرقات التي تمت في صندوق إعانة المرضى وغيره من صناديق التبرعات، وعلى الرغم من ضرورة ملاحقتها قانونياً، فإنه لا يجب أن تكون الهدف الوحيد، فالقضية هنا ليست في سرقة أموال من هذا الصندوق أو ذاك، أو من تلك الجمعية أو غيرها، وإنما هي أن البلد بأكمله قد امتلأ بصناديق سوداء لا يجرؤ أحد على فتحها أو الإشراف عليها أو مراقبتها!
مؤسسات العمل الخيري في العالم كله، هي في الغالب مؤسسات مدنية غير مسيسة إلا في الكويت، حيث يرتبط العمل الخيري بكتل وتجمعات سياسية استطاعت أن تخلق لنفسها انتماءات قوية من خلال سيطرتها على منافذ ومخارج التبرعات! في مقابل ضعف، إن لم يكن غياب، مؤسسات العمل الخيري المدنية وغير المسيسة.
من الملاحظ أن صندوق إعانة المرضى الذي أصبح مشبوهاً بعد فضيحته، أصبح يسرف في الإعلان والدعاية عن مهامه ودوره، على غرار “كاد المريب”، ولأن الناس بطبيعتهم ينسون مع مرور الوقت، فإن ملايين الصناديق المختفية وملايين الجمعيات الخيرية المشبوهة ستبقى في ذمة الغيب وداخل الصناديق السوداء المعتمة.
