غير مصنف

الصمود.. حضارياً

[جريدة القبس 28/11/1994]

لم نكن يوماً ما، وفي هذا الوطن الصغير، بمنأى عن حقيقة حجمنا السياسي والعسكري بين دول المنطقة!! بل لقد جاء إدراكنا لذلك الواقع باكراً، فحرصنا دوماً على الإبقاء على سياسة متزنة في علاقاتنا مع جيراننا، وهو عامل أمدنا بلا شك بمقومات البقاء في فترات عصيبة حرجة عبرت بها المنطقة!! تخللتها حربان عالميتان، وانهيار إحدى أكبر الامبراطوريات وأعرقها، والذي ألقى بظلاله على الواقع الجغرافي والسياسي لدول المنطقة فيما بعد!!
الحرب العراقية – الإيرانية وغزو النظام العراقي للوطن.. ما هما إلا صور حديثة، للإشكالات التي حكمت المنطقة دوماً، بحكم استراتيجيتها جغرافياً وسياسياً، تم تضاعف تلك الاستراتيجية في أعقاب ظهور الثروة النفطية!! فالأحداث التي توالت، وعلى مدى عقدين من الزمن، لم تكن سوى مظهر لمقومات التفجير البركاني الكامن أسفل تضاريس المنطقة الجغرافية والسياسية والاقتصادية!! كذلك يجيء التعامل مع الحرب العراقية – الإيرانية وغزو الوطن ليشكل تفسيراً منطقياً لرد الفعل المتوقع بحكم الأهمية الاستراتيجية ذاتها، وذلك لإنهاء عوامل اللااستقرار التي خلفتها الحرب العراقية – الإيرانية.. وما أعقبها من غزو للوطن!!
بمعنى آخر.. إننا في هذا الوطن الصغير لا نملك الكثير من مقومات التأثير في ما يتعلق بمستقبلنا السياسي والجغرافي الذي ولا شك يمر بمتغيرات جذرية من خلال الأحداث التي تعصف بالمنطقة، خاصة في العقدين الأخيرين من القرن الحالي!! فنحن الآن أمام “وضع قائم”.. يحتم علينا التعامل مع معطياته والتفاعل بمقتضاه!! وهو وضع فرضته الحاجة الدفاعية والعسكرية للتحصن ضد احتمالات كالتي حدثت في الثاني من أغسطس عام 1990!! غير أننا سنجد صعوبة ولا شك في عزل التفاعل العسكري والدفاعي مع دول أخرى، عن التفاعل معها حضارياً وثقافياً واجتماعياً!! وهو تفاعل يمس ولا شك هوية المجتمع وشخصيته وملامحه!! والتي لا أتصور أن أحداً يستطيع أن يتجاهل التخلخل الذي أصاب هوية الوطن، وذلك خلال فترة وجيزة لم تتجاوز الأربعة أعوام!!
قد لا تكون الصورة واضحة تماماً الآن، فنحن على مسافة أقرب من أن نلحظ شيئاً بعد، إلا أنها تبدو واضحة جلية مع أولئك الذين يرقبون الوطن من مسافة أبعد، تمكنهم من رؤية متكاملة واضحة للتغيرات التي ألمت بالوطن فيما مضى من أعوام أربع!!
حدثتني إحدى السيدات البريطانيات عن مدى تلاشي الروح الكويتية العربية الشرقية في ما ترى من حولها.. وذلك إثر عودتها الأولى للوطن، منذ أحداث الغزو والتحرير!! واستغربت ذلك الهروب المعتمد (والانتقامي) كما وصفته من الهوية العربية الشرقية!! وهو هروب يذكرها، على حد تعبيرها، بهونغ كونغ حيث امتزج كل شيء.. فلم تعد للبلد ملامح ولا هوية بخلاف أسواقها ومتاجرها!!
قد لا نبالغ كثيراً إذا ما قلنا أن أعنف ما في الحروب هي التأثيرات الحضارية والثقافية!! فعلى الرغم من طغيان الجانب العسكري في الحروب، والذي يبدو أكثر بروزاً واعتباراً!! إلا أن ما يتخلل هوية المجتمع من تأثيرات هو الأطول عمراً والأمضى أثراً!!
وبذلك فهو الأخطر على الهوية والملامح الثقافية!! على الرغم من أن مقومات الصمود للثقافة والحضارة لا تتطلب تفوقاً كالذي يتطلبه الصمود العسكري!! فلقد شهد التاريخ البشري منازلات كثيرة بين القوة العسكرية من جهة والقوة الحضارية والثقافية من جهة أخرى!! استطاعت الثقافة والحضارة فيها أن تتفوق على هدير المدافع والسلاح!! فلقد انتشرت المسيحية رغم اضطهاد الرومان وتفوقهم العسكري على المسيح وأتباعه!! كذلك عجز الانتصار الإسرائيلي في عام 1967 أن يحقق أهدافه وذلك بسبب مجابهته لقوة وصلابة الإرث الحضاري والثقافي للعالم العربي!!
وكما ذكرنا في بداية حديثنا هذا، فإننا قد نكون في بداية الطريق نحو تخلخل للهوية والملامح في هذا الوطن لكنها بداية تفرض علينا التيقظ لاحتمالات التشعب والامتداد!! خاصة بعد أن أصبحت هتافاتنا الوطنية وشعاراتنا تنطلق بلغات أجنبية وأشعارنا وأغانينا لتغنى بتاريخهم وشخوصهم!! بل لقد أصبحنا نتحدث عن بهجة وجمال الشمس المشرقة.. حتى في أقسى الأيام الحارقة من يوليو وأغسطس، فأصبحت الشمس هي منبع الجمال والطبيعة بدلاً عن القمر!! وأصبح حوارنا مهجناً وذوقنا مهجناً، بل وحتى تعابيرنا غدت مهجنة!! وقد يرى البعض في ذلك أمراً يسيراً!! لو لم نكن نكتسب ملامحنا تلك التي تحدد هويتنا من تلك الأمور (اليسيرة)!!
لقد أصبحنا نعقد الشرائط الصفراء رمزاً لانتظار وترقب الغائب بعد أن كان كي البحر.. وبل القط.. تعبير المنتظرين والمترقبين لعودة المبحرين من السفر الطويل!!
إن الانتشار العسكري لا يعني بالضرورة انتشاراً وسيطرة ثقافية!! ومما لا شك فيه أن تجاهل صغائر الأمور الثقافية سيجلب كبائرها!! أو كما أوجزها برتراند راسل بقوله: “استهان الكثيرون بكل صور القوة ما عدا العسكرية وهذا اتجاه قصير النظر.. ولو طلب إليَّ اختيار رجال كانوا يتمتعون بقوة أكثر من عداهم لذكرت بوذا والمسيح وفيثاغوريس وجاليليو!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى