
عسكرة المجتمع.. لا تعني بالضرورة إعداد جيوش.. والسلاح، وإن كانت تلك واحدة من معالم المجتمعات العسكرية.. إلا أنها ليست المعلم الوحيد، فندرة الأعمال التطوعية الشعبية قد تكون من أهم معالم عسكرة المجتمعات.. فالعمل التطوعي المحض.. وفي بلدان العالم الثالث عموماً.. والتي غالباً ما تعمد حكوماتها إلى إفشال أي محاولة للعمل الشعبي التطوعي.. وبحيث يتم دائماً تجيير أي محاولة تنشأ لصالح الدولة.. أو السلطة السياسية..
ولا شك أن هذا المفهوم قد انعكس وبوضوح، على حالة اليأس والعزوف عن الأعمال التطوعية.. في مقابل انبهار وتبجيل كل الأعمال والمهام ذات الصلة بالمجتمع السياسي.. فالجيش في مجتمعات الدول العربية عموماً.. ليس أداة دفاع وحسب.. بل أنه نموذج مصغر عن المجتمع.. وهو معلَّم من معالم التقدم والنمو والتطور التي تسعى إليها كل دولة حريصة على مستقبلها.. يبدو ذلك جلياً من خلال الصورة التي أصبحت مرسومة في أذهان الصغار والكبار على حد سواء تجاه الجيش.. والشرطة والملابس الرسمية.. بل ومن خلال الفنون التي تتغنى بالجيوش.. والعتاد والتسلح.. حتى لقد أصبحت الجيوش في بعض الدول مصدراً وحيداً للخلاص من أنظمة جائرة.. ورمزاً للتحرر والوطنية من خلال انقلابات العسكر… التي هي غالباً ما تكون تحقيقاً لطموحات فئة صغيرة من الجيش تكون هي التي خططت للانقلاب.. وبذلك فإنها لا تمثل بالضرورة مصلحة المجتمع والأفراد بشكل عام.. وإنما مصلحة تلك الفئة من الضباط التي حققت الانقلاب.
في المجتمعات الديمقراطية والمتحضرة، والمتقدمة عنا بكثير.. يرقى العمل الشعبي التطوعي إلى مرتبة العمل الرسمي السياسي.. النابع من الدولة كأساس للنظام السياسي القائم.. بل ويكون القرار السياسي دائماً.. رهن رد الفعل المجتمعي.. والذي دائماً ما تنظمه وتقوده.. وتعمل على تعبئته لجان شعبية تطوعية.. مما يخلق معه حالة من التوازن بين المجتمع المدني لتلك الدول.. والمجتمع السياسي ممثلاً في الدولة.. وبحيث يكون التنسيق في العمل هو المناخ العام.. فلا يتم إجهاض العمل المدني.. في سبيل إبراز العمل السياسي.
الدولة في مجتمعاتنا.. هي الأساس في المجتمع.. فهي التي تنظم.. وهي التي تحل النزاع.. وهي التي تقرر الأجور.. وتقسم الأرزاق.. وهي التي تعاقب.. وهي التي تحاسب.. فهي التي تجسد. مفهوم النظام والاستقرار.. وهي التي توحد المجتمع القائم.. وأي كيان آخر يحاول المساهمة في تلك المهام.. أو تجاوز الخطوط الحمراء لتلك الصلاحيات للدولة.. يعتبر كياناً خارجاً عن النظام… الذي سنته الدولة.. ومستحقاً للعقاب.
من هذا الفهم الخاطئ ومن التشبث بهذا المفهوم الديكتاتوري للدولة.. جاءت كل أزماتنا السياسية والاجتماعية.. فالدولة بنظامها السياسي لم تأت من العدو.. وإنما هي أساساً من المجتمع.. لذلك فإن المنطق يقضي هنا بأن يشمل المجتمع.. الدولة.. لا العكس.. وبالطبع فإن ذلك لا يتحقق إلا بضمان الحرية التي تكفل مثل ذلك التطور نحو خلق مجتمع.
لذا فإن جدلاً كالذي نشأ في هذا الوطن.. في أعقاب قرار مجلس الوزراء الخاص بحل الجمعيات واللجان الشعبية غير المشهرة.. الجدل الذي قام حول الحق الذي تملكه الدولة في تجاهلها روح الدستور الذي أعطى المواطنين الحق في تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية وبوسائل سلمية.. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفصله عن المفهوم العام والقائم عن الدولة ككيان سياسي.. لا بد وأن يستمد وجوده من التأييد الشعبي والمساندة الوطنية أولاً.. حتى لا يكون الحقيقة الوحيدة والضرورية للوجود البشري لمجموعة ما على رقعة ما من الأرض.
في الدول التي قطعت في ممارساتها الديمقراطية شوطاً طويلاً.. وأصبحت بذلك أقل عرضة لعوامل اللااستقرار والعنف.. يشعر المواطن بأهمية وجوده لوجود الدولة.. أما في مجتمعاتنا فالعكس هو الصحيح فالدولة هي الأساس.. والأفراد هم الحالات الطارئة.. لذا يتم انتقاؤهم وتصنيفهم بحسب ملاءمتهم لوجود الدولة ككيان سياسي.. وذلك من خلال قوانين الإقامة والتجنيس والإبعاد.. الشائعة في عالمنا العربي عموماً.. كما تجري تصفية الحالات المقاومة للتقويم.. من خلال الاغتيالات والسجون السياسية لمخالفي الرأي.
ستبقى مجتمعاتنا مسرحاً بلا استقرار.. والقلق السياسي.. ما بقي المجتمع والمواطن إطاراً للدولة والنظام السياسي.. بدلاً من أن يكون العكس.. وستستمر الأنظمة السياسية.. في تسخير المجتمع ليلائم مظاهرها العابرة.. والتي أثبت التاريخ أنها لا يمكن أن تصمد.. كما تصمد المجتمعات والشعوب.. وسنبقى جميعاً كشعوب ومجتمعات.. إما محصورين في إطار البيان رقم واحد.. أو في انتظار صدوره!!
