
أشعل اعتذار “الداعية” عائض القرني، ولم يزَلْ، الجدل في الصحف العربية بنسختيها الورقية والإلكترونية، الذي وجه فيه حديثه إلى المجتمع السعودي باسم “الصحوة” عن التشدد وبعض الفتاوى التي اعتبرها مخالفة للقرآن والسنة.
الصحوة الإسلامية أو “الصحوة” هو مصطلح يهدف إلى إحياء الإسلام من جديد. وللصحوة جذور تاريخية قد تعود إلى جمال الدين الأفغاني الذي يُعتبر من أشهر من نادى بالصحوة في القرن الماضي، وذلك قبل أن يُنشئ حسن البنا في عام 1928 جماعة الإخوان المسلمين بدعاتها ومفكريها ونشطائها. وكانت بداية “الصحوة” الحديثة في سبعينيات القرن الماضي، حيث قفز تيار الإسلام السياسي بفكره وأيديولوجيته لملء الفراغ السياسي الذي أحدثه سقوط الفكر القومي العربي إثر هزيمة حزيران 1967، ومع دخول الثمانينيات بدأت “كرامات” و”معجزات” دعاة الصحوة التي بلغت أوجها مع حرب أفغانستان ضد الشيوعية “الملحدة”، وأصبحنا نسمع عن جثث الجهاديين التي لا تتعفن، وعن رائحة المسك التي تفوح من قبورهم، وغير ذلك من روايات ملأت قلوب عشرات الآلاف من الشباب العرب الذين شدّوا الرحال مهرولين باتجاه أفغانستان، طلباً للشهادة ولقاء الحور العين التي كان عائض القرني وغيره يروجها لتصب في عقول أولئك الشباب ليل نهار!
لن نطرح السؤال المنطقي هنا: من الذي يتحمل وزر ما آلت إليه أحوال شباب تلك الحقبة؟ ولكن السؤال الذي يطرح نفسه مجبراً هنا هو عما إذا كان الإسلام كدين بحاجة إلى من يروّج له بهذه الصورة، أم إلى من يدعو إلى فهمه؟ والفهم هنا يشترط العلم والحكمة، وهما بالتحديد ما يفتقده الخطاب الدعوي بدليل التحول المفرط باتجاه العنف الذي أصبح يمارسه العديد من المسلمين في دفاعهم عن دينهم!
يُفترض أن يعزز الدين، أي دين، الطمأنينة والسكينة في النفس البشرية، وأن يهذّب سلوك الإنسان في تعامله مع غيره من البشر، فإن لم يتحقق ذلك، يكون الإنسان قد أخطأ في تطبيق الدين، وبذلك لم يصل إلى حالة الطمأنينة والسلام النفسي والتعايش السلمي داخل محيطه.
للأسف إن “الصحوة” لم تحقق شيئاً من ذلك، بل خلقت جيلاً فيه الكثير من المتشددين الذين يرون أنه لا سبيل للدفاع عن عقيدتهم إلا بالعنف، فتلاشى معهم صوت الحكمة والموعظة الحسنة الذي تناقضه طروحات ابن لادن والظواهري وغيرهما، وأصبح لدينا تنظيم قاعدة في المغرب، وقاعدة جزيرة العرب ودولة العراق الإسلامية، ومجلس شورى المجاهدين، والسلفية الجهادية، إلى آخر القائمة، لكننا لم نسمع عن جهة أو داعية يتناول علم الحسن البصري، أو حكمة منصور الحلاج، أو شفافية السهروردي، أو روحانية ابن عربي، أو أي رمز من رموز التاريخ الإسلامي، ممن يروج للإسلام كدين تسامح ومحبة وسلام.
