
الوضع المتأزم في القارة الآسيوية هو أشبه ما يكون بشبكة الكلمات المتقاطعة كل خاناتها تتحدث بلغة واحدة!! وبحيث إن انطلقت باتجاه عمودي أو أفقي فإنك حتماً ستلتقي بالكلمة المفقودة!! “الحرب” أصبحت هي الهاجس الأول والأكبر سواء للمعايشين لهذه الأزمة أو للمراقبين!! فعلى الرغم من “التحفظات” التي تبديها إيران تجاه التوغل في حرب قد لا تملك أدوات الحسم فيها، إلا أن ذلك لم يلغ احتمالات الاشتعال الذي قد تطول نيرانه وتطال حدود ومواقع كثيرة!!
لا شك بأن إيران قد حاولت ومنذ البداية أن تتبع سياسة متوازنة وحذرة بعض الشيء تجاه الأزمة الأفغانية!! بالإضافة إلى انتهاجها لسياسة تفاهم مع باكستان الساعية دوماً للتمسك بدورها المستقبلي في آسيا الوسطى!! غير أن ما أفرزته الأحداث الأخيرة قد يجبر إيران (كارهة) أن تتراجع عن حلمها وصبرها الطويل، وتوجه ضربة عسكرية إلى معاقل حركة طالبان!!
المثير هنا والمخيف في آن واحد ليس الحرب بحد ذاتها!! فعلى الرغم من كل ما يثيره شبح الحرب من مخاوف وأخطار، إلا أن الكارثة الحقيقية هنا هي في طبيعة العلاقة التي تربط المتحاربين سواء أكان ذلك من ناحية تاريخية أم حضارية أم عرقية أم عقائدية!! واحتمالات انفجار الموقف بينها يناقض أول ما يناقض (نظرية) “صمويل هنتنجتون” ورؤيته في طبيعة الصراعات القادمة والتي يرى أنها ستكون صراعات بين الحضارات المختلفة!! وتلك ولا شك رؤية تسقطها روح الصراع ضمن إطار الدائرة الحضارية الواحدة، والذي دشنته أزمة العلاقة الحالية بين إيران المسلمة وأفغانستان الأكثر إسلاماً!!
الكل أصبح متيقظاً وخائفاً من تصاعد الموقف وتأزمه بين إيران وأفغانستان!! إلا أن الكل يقف مشاهداً بسلبية جعلت من الجميع يتساءل عن دور “منظمة المؤتمر الإسلامي” والتي يفترض أن يكون لها دور في تهدئة الأجواء والفصل بين المختلفين!! وهو ما يذكرنا بمواقف سلبية مشابهة لمنظمات عربية أو إسلامية تجاه مواقف وأزمات سابقة!!
لا شك بأن المنطقة بدولها كافة، بحاجة ماسة لإعادة نظر جادة في تكلفة تلك الأزمات، وفي العبء المادي، والنفسي والبيئي الذي طالما خلفته ممارسات مشابهة تعبر عن جهل كبير ومؤسف بدروس التاريخ وعبره، والتي يعتبر الإلمام بها شرطاً أساسياً قبل البدء بأي برنامج تنموي جاد وحقيقي!! وكما حدث في أسبانيا مثلاً وبحسب ما ورد في تقرير صدر مؤخراً عن برامج التنمية والنهضة في هذه الدولة الأوروبية التي كانت تعتبر وإلى وقت ليس بالبعيد من دول العالم الثالث، قبل أن تقفز مؤخراً إلى صدارة الدول المتقدمة حيث احتلت الترتيب الحادي عشر!! أسبانيا أصرت في مشوارها التنموي هذا، وهو إصرار حقيقي وفعلي وليس مجازياً، أصرت على أن تقرأ تاريخها جيداً، إلى مرحلة الجنرال “فرانكو” في محاولة جادة منها بعدم تكرار أي من الأخطاء التي وردت في ذلك التاريخ، وتحاشيها بالصورة التي مكنتها بالفعل كدولة من تحقيق تلك المكاسب النهضوية التنموية!!
لعل المضحك والمؤسف في آن واحد هنا أن تتأزم العلاقة بين الطرفين المسلمين الآن، وفي خضم استعدادات إيران لمصالحة “الشيطان الأكبر” والذي كان واضحاً من خلال الكلمة التي ألقاها الرئيس الإيراني “خاتمي” أمام الأمم المتحدة، معلناً بدء المصالحة، ومدشناً صورة “إيران” الجديدة بإعلانه (الصفح) عن الكاتب “سلمان رشدي”!! وداعياً إلى “عام الحوار بين الحضارات”!! في الوقت الذي بات على إيران فيه أن تستعد لمواجهة “الشيطان الأصغر” الكائن ضمن الحضارة الواحدة!!
إن المنطق والعقل يقولان بوجوب تعقل الأطراف كلها تجاه احتمالات انفجار هو سياسي الواجهة وإن كان طائفي التفاصيل!! إن حدث فإن رقعته لن تقف عند حدود الدولتين المتصارعتين، بل ستشتعل على إثره جغرافية المنطقة بأسرها!! وإذا كانت “إيران” لا تزال متشبثة بلغة العقل واللاانفعال، فإن ذلك لا ينفي ولا يلغي احتمال الحرب والتي ما هي أساساً سوى تعبير عن سقوط لغة العقل في وجه تحديات وضغوط تغلب لغة العاطفة!!
لذا فإن المنطقة بأسرها، لا إيران وحدها في انتظار تحريك وتفعيل هيئات ومنظمات إسلامية “كمنظمة المؤتمر الإسلامي” لمواجهة وكبح جماح شيطان المنطقة الأصغر!!
الطليعة 1998/9/30


