الأرشيف

الشيخ عمرو خالد

[جريدة القبس 12/2/2002]

ذاع صيت الداعية الشاب عمرو خالد واشتهر، وتزاحم الناس على حضور ندواته، واختلفت حوله التيارات الدينية الأصولية والمعتدلة منها، فبينما يرى الأصوليون أنه يبالغ في تحرره من السنن النبوية، سواء بعدم إطلاق لحيته أو بارتداء الملابس الغربية، يرى المعتدلون أنه يتجاهل قضايا الإسلام الحيوية والهامة!
وأياً كان الأمر، فقد أغراني حديث الناس وانبهارهم بهذا الداعية الفذ بأن أتابع واحدة من ندواته، والصراحة إنني أحسست بحزن وخيبة أمل كبيرة لما آل إليه الوعظ في الإسلام، ولما أصبحت عليه الأولويات الدينية والدنيوية لدى مسلم هذا الزمان! فالداعية “المودرن”، وعلى مدى خمس وأربعين دقيقة تناول فيها موضوعاً واحداً يتعلق بشكل المرأة وجمالها وشبابها في الجنة، واسترسل بأسلوب مادي دنيوي بحت في تذكير الرجال بحال زوجاتهم في الجنة وجمالهن الصارخ، حتى إن الرجل يشكك في أن المرأة الماثلة أمامه هي حقاً زوجته، فيأمرها بالانصراف ناكراً أن تكون زوجته على هذا القدر من الجمال.
نحن لا ننفي هنا نعيم الجنة، ولا نشكك في وعد الله لعباده المؤمنين الصالحين بحياة هانئة رضية وآمنة في جنان الله الخالدة! وإنما نود أن نذكر الشاب عمرو خالد أن الإسلام يحوي أموراً أكثر عمقاً وأولى بأن يتناولها داعية يرمي إلى ترغيب الناس والشباب خاصة، وتقريب الإسلام ديناً وعقيدة إلى قلوبهم وممارساتهم! فالإسلام اليوم، خاصة في ظل ما نرى من محاولات البعض لزجه كدين وعقيدة في دهاليز الخلافات السياسية، بحاجة إلى رؤية جديدة في الوعظ، وأسلوب حديث في مجادلة ومحاورة الثقافات الأخرى. الإسلام بحاجة إلى من يعيد بناء صورته الناصعة في أذهان وعقول الآخرين بعد أن طالها ما طالها بسبب طموحات البعض السياسية والعسكرية المادية والدنيوية البحتة!
لقد خصنا الله، سبحانه وتعالى، بكتاب يحوي من الإعجاز ما يجعل الإنسان يقف مذهولاً أمام هذه القدرة الإلهية، التي جمعت بين دفتي كتاب كل أمور الدين والدنيا، وكل ما تمخضت عنه الجهود البشرية من علم وعلوم، وكل ما استجد وما سيستجد من أمور تخص الأرض وقاطنيها! فالقرآن قدم، وبسلاسة لا تخلو من العمق، نظرية الوجود الإلهي، وتم تحديد قوانين الجدل في الكون، وهي الثنائية التناقضية، والثنائية الزوجية والثنائية الضدية، وعلى ضوئها تم تعريف قانون تسبيح الأشياء لله، كما قدم القرآن شرحاً مفصلاً لنظرية المعرفة الإنسانية، وتم تحديد مستويات الوعي الإنساني، ونشأة اللغة وارتباطها بالفكر. كما أعطى القرآن للرسالة عالميتها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، حيث بين أن الشرع الإسلامي شرع حدودي لا حدي، وأن الله أعطى في أم الكتاب حدود التشريع لا عين التشريع، ومن هنا كانت الرسالة عالمية وصالحة لكل زمان ومكان. كما بين القرآن الأسس العامة للنشاط الاقتصادي، ووضح أن أساس الاقتصاد هو التجديد في السلع ووسائل الإنتاج والمردود المادي.
تأتي معجزة القرآن إذن لكونه أكثر الكتب السماوية مخاطبة للإنسان وملامسة لشؤونه اليومية؛ F: ﵟوَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥ﵞ ﵝالنَّحۡل : ﵕﵜ a ، وفي ذلك إشارة إلى دور الحيوانات في حياة الإنسان، كما أشار القرآن إلى انتشار الإنسان الواعي عبر الأرض؛ F ﵟوَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٧ﵞ ﵝالنَّحۡل : ﵗﵜ a. وأيضا أشار القرآن إلى وسائل الإنسان البدائية في الحركة؛ F ﵟوَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ١٣ﵞ ﵝالقَمَر : ﵓﵑﵜ a.
إن الحديث في إعجاز القرآن ورحمة الإسلام حديث لا ينقطع ولا ينتهي! وكل ما ذكرته لا يتعدى ذرة في بحر القرآن اللا نهائي، إذاً ألا توافقني عزيزي القارئ على أن الشيخ الداعية عمرو خالد قد انتقص من ذلك الإعجاز الرباني حين لم يغادر في ندواته عتبة الجنس وجمال المرأة وفتنتها؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى