الأرشيف

الشعب والنظام

[جريدة القبس 22/3/2005]

مع عودة رؤوس الأموال الكويتية المهاجرة التي عادت إلى مواقعها إثر مخاوف من إجراءات أمريكية قد تعيق حركتها، في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، تسود الكويت طفرة اقتصادية واستثمارية ضاعف من قوتها انهيار النظام العراقي.
الحديث الأكثر إثارة اليوم في الكويت هو حديث السوق والبورصة والأسهم والاستثمارات والشركات والبنوك الأجنبية، وهو حديث يستقطب الصغير والكبير بل وحتى الجاهل بحركة المال وأسواقه! لكنه حديث لا يخلو من قلق يبديه أحياناً بعض المراقبين عن كثب، من المتحفظين والمخضرمين اقتصادياً، من الذين لا يرون في هذه الطفرة ظاهرة صحية على الإطلاق!
وبصرف النظر عن تلك الاختلافات في الرأي حول هذه الطفرة فإنه من الملاحظ أن هنالك توسعاً ونشاطاً ملحوظاً في المشاريع والإنشاءات واستثمارات ضخمة فيما أصبح يعرف بـ”السوق العراقي”! وكلها أمور تعكس إحساساً بالأمن ناجماً عن استقرار الأوضاع في العراق إلى حد ما.
لكن الخوف القادم يأتي من احتمال أن تطغى لغة المال على حكمة العقل وحنكته ويشل رنين المال رؤيتنا لشروط الانفتاح الاقتصادي، ونقع في ما وقعت فيه بعض دول الجوار من سيطرة تامة لنفوذ رؤوس الأموال وأصحاب المشاريع التجارية الانفتاحية ونتحول من دولة مؤسسات إلى مجرد مقار لشركات مالية وتجارية ضخمة!
لقد تميزت الكويت عن محيطها الإقليمي بأنها وإلى حد ما استطاعت أن توازن بين نموها الاقتصادي والمالي من جهة ونموها السياسي من جهة أخرى ولم يلغ أي منهما الآخر وحيث انتصب مبنى مجلس الأمة القديم ملاصقاً للامتداد العمراني الذي كانت بدايته من شارع فهد السالم بالعاصمة الكويتية! وجاورت المسارح الكويتية المنازل الكويتية الفخمة وانطلقت وفود الطلبة الدارسين في الجامعات العربية والغربية مع جموع المسافرين من المواطنين الكويتيين بغرض السياحة والسفر!
حكماء الانفتاح الاقتصادي والطفرة التجارية والمالية في خمسينيات القرن الماضي هم الذين أمنوا للكويت انفتاحاً مدروساً وسلساً لا نزال كمواطنين نجني ثماره!
الآن ونحن في مواجهة انفتاح اقتصادي واستثماري ضخم أفرزته ظروف المنطقة بشكل عام تعود بنا الحاجة إلى أولئك الحكماء خاصة في ظل وجود نماذج لانفتاح خاطئ ساد دول الجوار ويعتبره البعض في الكويت نموذجاً للتطور والنمو الاقتصادي والعمراني، بل ويلوم هذا البعض الكويت لعدم اتباعها لتلك النماذج!
نحن الآن بحاجة لأن نعيد إلى الأذهان تلك المميزات التي أمنت للكويت مكانتها وسط أقرانها من دول الجوار وجعلتها درة الخليج بلا منافس! نحن بحاجة إلى إعادة بناء كويت المسرح وكويت الثقافة وكويت الديمقراطية وكويت الحوارات السياسية والثقافية والفكرية وهو أمر لا يمكن أن تحققه المجمعات التجارية وحدها ولا المباني الفخمة أو المنتجعات السياحية نحن بحاجة إلى إعادة بناء الكويت الدولة وليس كويت المنتجعات السياحية فالدولة ليست مجمعات تجارية ولا مطارات ضخمة ولا فنادق فخمة الدولة هي عملية بناء مستمرة لعلاقة سليمة بين الشعب والنظام يكون الهدف من ورائها صالح الأطراف كلها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى