الشريعة مصدر.. وليست المصدر!!

الشريعة مصدر.. وليست المصدر!!
حسناً فعلت جمعية حقوق الإنسان الكويتية بإصدارها بياناً يستنكر فتوى الدكتور عجيل النشمي، التي يقول فيها: “إن تحية المرأة العسكرية مخالفة للعرف قبلياً وحضرياً”، وحيث أكدت الجمعية في بيانها أهمية التصدي لمثل هذه الطروحات غير السوية، فإنه يتم التعامل معها بما تستحق من حزم، مطالبة أجهزة الدولة والسلطات الحكومية بمواجهة هذه الأمور بما يليق بها من اهتمام، حتى لا يصدر أفراد فتاوى لا تتوافق مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، ولا تتفق مع قيم البلاد الدستورية وقيم حقوق الإنسان والمبادئ، التي تحترم المرأة وأوضاعها وحقوقها في العمل.
من الواضح أننا بحاجة لأن نُذكّر بين حين وآخر أن الكويت ليست دولة دينية، وإنما دولة مؤسسات يحكمها دستور مدني، تأتي فيه الشريعة كمصدر للقوانين وهي ليست المصدر الوحيد، وبالتالي فإنها دولة لا تحكمها فتاوى المشايخ، وإنما القوانين والنظم المدنية الوضعية التي تتلاءم مع حركة الزمن والعصر. لكن ذلك لم يثنِ بعض مشايخ الإسلام السياسي عن المحاولة والمراوغة لتجاوز تلك الحقيقة، حقيقة الدولة المدنية، في أكثر من حالة. آخرها كانت فتوى النشمي التي وقفت لها جمعية حقوق الإنسان مشكورة بالمرصاد! فـ “الشيخ” الكاتب نبيل العوضي لا يكل قلمه ولا يمل لسانه عن محاولة بذر صورة الدولة الدينية في نفوس الناشئة بالتحديد، حيث يدعو في كتاباته وفي برنامجه مؤسسات الدولة كافة لتبني حملته لارتداء الحجاب، داعياً مدارس البنات والكليات والمعاهد بعمل ندوات وكلمات في طابور الصباح، وخواطر في الحصص الدراسية لتشجيع الطالبات على لبس الحجاب، وإذا احتاجت أي معلمة لأي كمية من المعلومات أو أوراق الإعلان عن التسجيل في حفل تكريم المحجبات الجدد، فما عليها إلا التواصل مع “مبرة طريق الإيمان” وتسلم ما تحتاجه من أشرطة ومواد علمية تشجيعية وترغيبية للبس الحجاب! لا نريد هنا أن ندخل في تفاصيل جدلية الحجاب، فقد كُتب وقيل فيها الكثير، لكننا نريد أن ننبه هنا إلى مسألة تتعلق بحق “الشيخ” نبيل أو غيره من الشيوخ في التدخل، وبهذه الصورة، في ما يُدرس في مدارس وزارة التربية، أو في ما تستعرضه المدرسة من أنشطة طلابية في طابور الصباح أو في أثناء الحصص الدراسية! فالمدارس يفترض أن تضم كل أطياف المجتمع فكرياً وثقافياً وعقائدياً، وهي ـ أي المدارس ـ تُدار من قبل طاقم مؤلف من تربويين وموجهين ومعلمين يلتزمون مقررات ومناهج موحدة، وأنشطة تحت سقف الإشراف المباشر من قبل وزارة التربية، بمعنى أن “الشيخ” الفاضل لا يملك الحق في إملاء ما تستعرضه مدرسة ما في طابورها الصباحي، ولا في ما تقدمه المعلمة من خواطر وكلمات داخل الفصل الدراسي! وبحسب علمي، فإن أي ندوة أو دعوة أو تكريم للطلبة يجب أن يمر عبر وزارة التربية، وبترخيص منها وليس من وراء مايكروفون وشاشة إعلامية، أو في مقال منشور في الصحافة! لا ألوم هنا “الشيخ” نبيل أو غيره في تجاوز الحدود والضوابط المعمول بها في أي مؤسسة حكومية، وإنما أوجه اللوم إلى تلك المؤسسات التي تساهم أحياناً في شرعنة مثل هذا التجاوز إما جهلاً أو تحايلاً على القوانين!
لهؤلاء جميعاً نقول ونكرر إن الكويت دولة مدنية، دينها الإسلام، الذي نفخر بأن يكون مصدراً للتشريع، لكنه ليس المصدر الوحيد، حفاظاً على العقيدة من تقلبات السياسة وشؤون الحياة الدنيوية!
