
في خبر تداولته الصحف مع نهاية عام 2024، يقول بأن الشركات المتعدّدة الجنسيات أصبحت تراهن اليوم على دول الخليج، والتي بدورها أصبحت تطرح حوافز معينة، تحافظ من خلالها وتستقطب استثمارات الشركات المتعدّدة الجنسيات.
وفقاً للتعريف المتداول، فإن الشركة المتعدّدة الجنسية تكون شركة تخضع لسيطرة بلدان أجنبية متعدّدة، على الرغم من أن استراتيجياتها وسياساتها وخطط عملها تُصَمَّم من مركزها الرئيسي، أو من الدولة المعنية، والتي تُسمى هنا الدولة الأم.
ما يُميّزها أنها تتعدى القوميات هنا، لأنها تتمتع بقدر كبير من حرية تحريك ونقل الموارد، ومن ثم فهي تملك عناصر الإنتاج من رأس المال.
أتذكّر في منتصف الثمانينيات نص قراءة في كتاب لطلبة كلية التجارة، تناول طبيعة عمل هذه الشركات، نص القراءة هذا جاء بعنوان «الشركات المتعدّدة الجنسيات والرشوة»، حيث تناول النص نفوذ بعض الشركات، خاصة في الشرق الأقصى حينها، وتجاوزها لقوانين الدول المُضيفَة، وتعاملها المكشوف بالرشاوى. وقتها كانت أغلب تلك الشركات تعود ملكيتها الأم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك تكررت في النص مُفرَدَة «أمركة العالم»، وهي المُفرَدَة التي ستتحول مع قدوم ألفية القرن إلى عولمة.
ضخامة حجم مثل هذه الشركات وأصولها وحجم استثماراتها وتمددها، جعلت البعض يصفها بأنها دول من دون أعلام، وهو بالفعل ما يحدث الآن، حيث تعقد مثل هذه الشركات تحالفات استراتيجية مُشتَرَكة لتأمين رؤوس أموالها وأسواقها واحتكارها، خاصة للتكنولوجيا الحديثة والمهارات الفنية، حتى لقد أصبح اليوم ما يقارب الـ%80 من مبيعات العالم تتم من خلال الشركات المتعدّدة الجنسيات، وبشكل تداخل أحياناً مع سيادة الدول، وخَلَقَ شرائح اجتماعية مُتدنّية الرواتب في تلك الدول، وذلك بهدف تحقيق أهداف هذه الشركات.
عبر التاريخ كان للمال وللشركات العملاقة دور بارز في التحكّم والسيطرة على الدول، أشهر تلك الأمثلة من التاريخ كان في شركة الهند الشرقية البريطانية، التي تأسست عام 1600، بهدف خلق وجود ونفوذ بريطاني في تجارة البهارات الهندية، وبذلك تتم منافسة أسبانيا والبرتغال، اللتين كانتا تُهيمنان على تلك التجارة في ذلك الوقت، لكن شركة الهند الشرقية سرعان ما تحولت إلى ذراع قوية للاستعمار البريطاني في مناطق عدة من آسيا، وليست في الهند وحدها، وأصبح لها نفوذاً سياسياً استدعى تشكيلها لجيشها الخاص، الذي فاق في تعداده الجيش البريطاني آنذاك، بل أصبح لها علمها الخاص بها.
اليوم وفي ظل تكنولوجيا التواصل والمعلومات، التي طالت كل شيء، بدءاً من الخدمات، وصولاً إلى المواد الاستهلاكية والمعدات الحربية، من طائرات مُسيّرة وبيجرات ملغومة وتليفونات مُشفّرة وغيره، يتصاعد تمدد ونفوذ الشركات المتعدّدة الجنسيات، التي تملك اليوم كل هذه التقنيات، التي تُحرّك الحياة، وتتحكّم بأدق تفاصيل شؤون الناس فيها.
اليوم أصبح العالم من أقصاه إلى أقصاه مملوكاً بالكامل لهذه الشركات، ولم تعد الدول وحدها مُستَعمَرَة ومُحتَلّة من قِبَل شركات، وإنما أصبح الناس كلهم مملوكين لها، وفي خدمتها وليس العكس، وكما نتصور جميعاً.
لم تعد الدول، وبما تملك من سيادة فوق أراضيها، هي من تملك زمام القيادة، ولم يعد الأفراد وبما يؤمنون به من حريات وحقوق، هم القَيّمون على خياراتهم، وذلك بعد أن سيطرت الشركات المتعدّدة الجنسيات على كل شرايين الحياة، ففرضت قوانينها من فساد ورشوة واستنزاف واستعباد، لكن، وبالرغم من كل ذلك، يبقى في نهاية النفق بصيص من الضوء، نرى من خلاله أطراف غزة والضفة والمكسيك وغرينلاند وبنما وغيرهم من الأحرار، ممن لا يزالون صامدين في وجه نفوذ وهيمنة مثل هذه الشركات سياسياً واقتصادياً وفكرياً.
خالص العزاء للكويت وأهلها برحيل القامة الوطنية والعلامة المضيئة في عالم الصحافة الراحل بوعمر، يوسف محمد النصف.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:الشركات المتعددة الجنسيات-الرشوة-المواد الاستهلاكية-الاستعمار البريطاني
